
الصوت الذي لم يعد...
قراءة في السيرة الذاتية الاستاذ ( عبد العزيز الخير) المناضل الذي أخفاه بشار الأسد
في زمنٍ كان الصمت فيه مرادفًا للبقاء، كان الكلام مخاطرةً لا يُقدم عليها إلا من قرر أن يدفع الثمن كاملًا، دون مساومة، في ذلك الزمن، خرج عبد العزيز الخير من بين طبقاتٍ اجتماعية كان يمكن أن تحميه، وتمنحه مكانًا مريحًا داخل معادلة السلطة، لا على هامشها...
وُلد عبد العزيز الخير في الساحل السوري، من عائلة ميسورة، ومن واحدة من العائلات الكبيرة المعروفة في الوسط العلوي، كان الطريق أمامه واضحًا، معبّدًا، ومجربًا من كثيرين قبله، لو أراد، لو فقط اختار أن يركب الموجة، لكان صار وزيرا وربما عضو في القيادة القطرية، أو واحدًا من أولئك الذين يتحدثون باسم السلطة لا في مواجهتها...
لكنه لم يفعل.
اختار طريقًا مختلفًا، طريقًا لا يمنح الامتيازات بل يسحبها، ولا يقرّب من دوائر القرار بل يدفع بعيدًا عنها، لم يحمل مشروعًا صاخبًا، ولا خطابًا ثوريًا منفلتًا، بل كان يحمل شيئًا أبسط… وأخطر وهو:
فكرة أن السياسة يجب أن تُقال بصوتٍ واضح، وأن تُناقش في العلن، لا أن تُدار في الغرف المغلقة والهمسات الثقيلة...
منذ اللحظة التي قرر فيها أن يتكلم، لم يعد مجرد طبيب، ولا مجرد ابن عائلة ميسورة، بل أصبح شيئًا آخر "صوتًا خارج السرب"...
والأصوات الخارجة عن السرب، في تلك المرحلة، لم تكن تُحتمل.
تحوّل تدريجيًا إلى هدف، لم يكن يحتاج إلى أن يرفع صوته كثيرًا، فبمجرد امتلاكه له كان كافيًا ليُعتبر تهديدًا، وهكذا، دُفع إلى السجن، لا لسنواتٍ قليلة عابرة، بل لزمنٍ طويل، ثقيل، يُقاس بالصمت المفروض لا بالأيام...
داخل القضبان، لم يكن هناك جمهور، ولا منصات، ولا ضجيج. فقط رجل، وفكرة لم يتخلَّ عنها.
وحين خرج، لم يكن خروجه انتصارًا كاملًا، فالحرية التي نالها كانت مشروطة، محاطة بالرقابة، مثقلة بالحذر، كان يتحرك كمن يعرف أن كل خطوة محسوبة، وكل كلمة قد تُعاد عليه. ومع ذلك، لم يصمت...
عاد إلى خطابه الهادئ، الإصلاحي، في وقتٍ كانت فيه الأصوات العالية تملأ المشهد، لم ينافس في الصراخ، ولم ينجرّ إلى الاستقطاب الحاد، بل بقي متمسكًا بذلك الخط الرفيع: أن تقول ما تؤمن به، دون أن تتحول إلى صدى لأي طرف...
وربما كان هذا بالذات ما جعله أكثر إزعاجًا.
لم يكن محسوبًا كما يجب، ولا معارضًا كما يُراد، ولا مواليًا كما يُتوقع، كان يفكر بصوته الخاص، وهذا في حد ذاته خرقٌ غير مقبول لقواعد اللعبة...
ثم جاءت اللحظة التي تحوّل فيها الغموض إلى مصير.
في ايلول من عام ٢٠١٢، دخل مطار دمشق، مشهد عادي، لا يحمل ما يميّزه عن آلاف العابرين يوميًا، حقيبة، جواز، وخطوات نحو بوابة الخروج...
لكنه لم يخرج.
اختفى كما تختفي الأشياء التي لا يُراد لها أن تُروى، لا بيان واضح، لا رواية رسمية مكتملة، لا نهاية يمكن الإمساك بها. فقط غيابٌ مفتوح، وسؤال بقي معلقًا، لا يجد جوابًا:
- كيف يمكن لصوتٍ واحد، هادئ، غير صاخب، أن يُخيف نظامًا كاملًا؟
ربما لأن بعض الأصوات، حتى حين لا تصرخ، تكون أكثر وضوحًا من كل الضجيج.