
السيادة ليست شعاراً: حين تقول إسبانيا "لا" في زمن الاصطفاف
في زمن تتسارع فيه التحالفات العسكرية وتُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ، تبرز قرارات بعينها لا لأنها تغيّر مسار حرب، بل لأنها تعيد تعريف معنى الدولة ذاتها. قرار وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس بإغلاق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الأميركية المرتبطة بأي عمل عسكري ضد إيران، ومنع استخدام القواعد الإسبانية، ليس مجرد إجراء تقني أو ظرفي؛ إنه إعلان سياسي مكثّف يقول إن السيادة ليست بنداً قابلاً للتأويل.
إسبانيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، ليست دولة خارج المنظومة الغربية، ولا تقف على هامشها. لكنها، بهذا القرار، تذكّر بأن التحالف لا يعني الذوبان، وأن الالتزام لا يلغي الحق في التقدير المستقل للمصلحة الوطنية. هنا تكمن أهمية اللحظة: ليس في مضمون الحرب المحتملة، بل في طريقة تموضع الدولة إزاءها.
التاريخ الحديث مليء بأمثلة مشابهة، لكن الفارق أن كثيراً من الدول اختارت، في لحظات مماثلة، أن تتحرك تحت ضغط الاصطفاف لا وفق منطق السيادة. بعد غزو العراق عام 2003، انقسمت أوروبا بين داعم ومعارض، وكانت النتيجة أن دولاً دفعت لاحقاً كلفة سياسية وأخلاقية لقرارات لم تنبع بالكامل من إرادتها الوطنية. اليوم، يبدو أن مدريد تحاول تفادي إعادة إنتاج ذلك المشهد.
القرار الإسباني يعكس أيضاً تحوّلاً أعمق داخل البنية السياسية الأوروبية، حيث تتصاعد نزعة "الاستقلال الاستراتيجي" في مواجهة التبعية الكاملة للقرار الأميركي. هذا التوجه، الذي يناقش منذ سنوات داخل الاتحاد الأوروبي، لم يعد مجرد أطروحة نظرية، بل بدأ يجد طريقه إلى سياسات عملية، ولو بشكل جزئي ومتدرّج.
لكن قراءة هذا القرار لا تكتمل دون فهم سياقه الداخلي. الحكومة الإسبانية ذات التوجه اليساري تدرك أن الانخراط غير المشروط في أي حرب خارجية لا يحمل فقط مخاطر جيوسياسية، بل أيضاً كلفة داخلية، سواء على مستوى الرأي العام أو التوازنات السياسية. ومن هنا، يصبح "الرفض" ليس فقط موقفاً خارجياً، بل أداة لإدارة الداخل أيضاً.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا القرار يضع إسبانيا في موقع دقيق داخل شبكة معقدة من الالتزامات العسكرية، خاصة مع الولايات المتحدة. فالعلاقة بين مدريد وواشنطن، الممتدة منذ اتفاقيات القواعد العسكرية، تقوم على توازن حساس بين التعاون والقرار السيادي. كسر هذا التوازن – أو إعادة تعريفه – ليس خطوة بلا ثمن.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الموقف تكمن في رسالته الأوسع: الدولة التي تعرف حدودها تعرف أيضاً متى ترسم خطاً أحمر. في عالم يميل إلى فرض الإملاءات تحت عناوين الشراكة، يصبح قول "لا" فعلاً سيادياً بامتياز، حتى لو لم يغيّر مجرى الأحداث الكبرى.
ما فعلته إسبانيا اليوم لا يوقف حرباً، لكنه يفتح نقاشاً ضرورياً: هل ما زالت الدول قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة في زمن العولمة الأمنية؟ أم أن السيادة أصبحت مفهوماً رمزياً يُستدعى في الخطاب ويُغيّب في الممارسة؟
بين هذين السؤالين يتحدد مستقبل السياسة الدولية. وإسبانيا، بهذا القرار، اختارت أن تكون طرفاً في الإجابة، لا مجرد متلقٍ لها.