
السياسة النقدية في سورية، هل فاقت العقوبات الخارجية تأثيرها؟ :
في السنة الأخيرة، وهي امتداد موضوعي لعقد ونصف مضى مخلفا تداعيات وآثار كارثية،وجد المجتمع السوري نفسه أمام معضلة اقتصادية مركبة لم تعد تُقاس فقط بتأثير العقوبات الخارجية، بل بتداعيات السياسات النقدية والمالية الداخلية. فقد تحول الهدف الأساسي من رفع العقوبات عن البلاد إلى سراب، بعد أن أثبت الواقع أن الإجراءات المحلية أدت إلى تأثيرات أشد قسوة على حياة المواطن اليومي من أي عقوبة مفروضة من الخارج...
فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الجالية السورية في الخارج، وبالأخص في الولايات المتحدة، للعمل على إنهاء العقوبات ورفع قيصر، فإن ما تحقق لم يكن كافياً لتخفيف وطأة الأزمة... الحكومة المحلية، بسياساتها المالية والنقدية، أثرت بشكل مباشر على الأسواق وعلى سلوك المستهلك، فشهدت الأسواق انخفاضاً كبيراً في السيولة النقدية، تراجع القدرة الشرائية، وارتفاعاً حاداً في الأسعار والخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والضرائب والرسوم، التي تجاوزت أحياناً قدرة المواطن على تحملها...
إلى جانب ذلك، أثرت هذه السياسات على استقرار المؤسسات المالية، وأضعفت الثقة بين المصارف والمودعين، بينما دفعت بعض الإجراءات المواطنين إلى تقليص استهلاكهم الضروري للدواء والمواد الغذائية. وبالمقارنة، يمكن القول إن العقوبات لم تصل إلى مستوى هذه القسوة المباشرة على حياة الفرد اليومية، ولم تؤدِ إلى توقف الرواتب أو شلل الأسواق بهذا الشكل الكبير...
لذا فإن قراءة هذا الواقع تفرض تساؤلات جوهرية حول دور السياسات الاقتصادية الوطنية ومدى توافقها مع احتياجات المجتمع. فربط الاقتصاد بالمصلحة المباشرة للمواطن، بحيث تكون عوائد التنمية والخدمات متاحة له، ليس خياراً بل ضرورة. غياب هذا التوازن يعمّق الأزمة، ويحوّل أي جهود خارجية لرفع القيود إلى نتائج ضعيفة، حتى لو كانت مقدرة...
في النهاية :
يبدو واضحاً أن معركة الاقتصاد السوري اليوم ليست مع العقوبات فحسب، بل مع إدارة السياسات النقدية والمالية التي تشكل العامل الأقوى في تحديد مستوى معيشة المواطن وثقته بمؤسساته. وبالتالي، فإن أي نقاش عن الإصلاح أو تحسين الأوضاع يجب أن يبدأ أولاً من إعادة النظر في هذه السياسات، لتصبح أداة لدعم المجتمع بدلاً من أن تكون عبئاً عليه.