
السيد أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية :
تحية عربية :
تمر سورية اليوم بمرحلة دقيقة وحاسمة، بعد سنوات طويلة من الصراعات الداخلية والحروب، تتطلب وضوحًا تامًا في فهم طبيعة السلطة، ومرجعية الحاكم، وطبيعة العلاقة بين القيادة والمجتمع، وكون التجارب الوطنية والدولية تؤكد أن شرعية الحاكم لا يمكن أن تُبنى على الرمزية الدينية أو القوة العسكرية وحدها، بل يجب أن تكون مستندة على القانون والدستور، وهما الضمانة الحقيقية لوحدة الدولة واستقرارها وازدهارها على المدى الطويل...
لقد لوحظ في مناسبات عدة ظهور بعض قيادات العهد الحالي بالزي العسكري أو في أماكن دينية، مصحوبة بخطابات مستلهمة من عبارات دينية تاريخية، مثل قول الخليفة أبي بكر الصديق :
"أطيعوني ما أطعت الله فيكم"...
هذه الرمزية، رغم ما قد تحمله من رسائل إيجابية للمؤيدين، تحمل في الوقت نفسه مخاطر واضحة، فهي تهدف إلى طمأنة الجمهور بوجود قوة مسلحة شرعية، وإظهار استقرار القيادة، وربط المرجعية السياسية بالقوة قبل القانون، وفي الوقت نفسه قد تثير الخوف لدى المعارضين، لكن التحليل الدقيق لهذه الرمزية يكشف أن الطاعة المفتوحة، المستندة إلى دلالات دينية جزئية، قد تحوّل السلطة إلى مطلقة، غير محددة، وغير قابلة للمساءلة، فالعبارة التاريخية الأصلية كاملة تقول :
"أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"...
والشطر الأخير يعكس جوهر الفكرة وهي إمكانية مساءلة الحاكم وعزله إذا تجاوز حدود الشرع، وتجاهل هذا المعنى يحوّل الطاعة إلى أمر غير قابل للمحاسبة، ويضع الدولة في موقع هش أمام أي تجاوزات دستورية أو سياسية...
لذا لي وسواي ملايين السوريين أن نقول :
أن سورية الحديثة، يجب ان تأسس على دستور يضمن فصل السلطات، وحماية الحريات، والمساواة، وقضاء مستقل، تحتاج إلى أن تكون المرجعية العملية للحاكم هي القانون والدستور... فالطاعة الدينية شأن شخصي بين الفرد وربه، ولا يمكن أن تصبح معيارًا للحكم أو سلطة تنفيذية، لذا فإن الدمج بين الطاعة الدينية والقوة العسكرية في الخطاب السياسي يخلق مشهدًا يوحي بالطاعة المطلقة، ما قد يضعف المؤسسات ويقلل من مصداقيتها، خصوصًا في مجتمع متنوع المكونات الدينية والطائفية، ويهدد العقد الاجتماعي الذي يربط جميع المواطنين بالدولة...
غياب مؤسسات قوية وآليات واضحة لمساءلة الرئيس أو أي سلطة تنفيذية على تجاوز الصلاحيات يجعل الطاعة المفتوحة خطرًا استراتيجيًا...
المحكمة الدستورية العليا، مجلس الشعب، وأي هيئة وطنية مستقلة، هي الضمانة الوحيدة لمنع التحول إلى حكم مطلق ولضمان أن أي تجاوز للصلاحيات يخضع للمراجعة وفق القانون، وتعزيز استقلال هذه المؤسسات، وتشجيع ثقافة المساءلة والرقابة القانونية، هو الأساس لاستقرار الدولة ووحدة المجتمع، ويمنع أي استخدام للطاعة المطلقة لتبرير قرارات تتجاوز القانون والدستور...
الاعتماد على الطاعة المفتوحة للقائد باسم الدين أو القوة المسلحة يحمل مخاطر استراتيجية طويلة المدى، فهو يهدد استقرار الدولة، ويخلق شعورًا بالتمييز بين مكونات المجتمع، ويضعف مصداقية القانون والدستور أمام المواطنين...
لذا :
فإز الالتزام الصارم بالقانون والدستور هو السبيل الوحيد لضمان دولة فعالة وعادلة ومستقرة. الطاعة لله شأن شخصي بينما الدولة ملك لجميع المواطنين، ويجب أن تحكمها مؤسسات واضحة وآليات محاسبة فعالة...
سيدي فخامة الرئيس :
سورية الحديثة تحتاج إلى قيادة ترتكز على القانون وتؤمن أن القوة الحقيقية ليست في الرمزية أو الطاعة المطلقة، بل في احترام المؤسسات، الفصل بين السلطات، والعدالة لجميع المواطنين. الالتزام بهذه المبادئ لا يحمي الدولة فحسب، بل يؤمن مستقبل الأجيال القادمة، ويعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم، ويضمن استمرار الدولة في مواجهة أي تحديات مستقبلية...
وان ما قلته اعلاه لم يأت من منطلق التزلف أو البحث عن أخطاء، بل من منطلق الحرص الصادق على مستقبل سورية والمصلحة الوطنية العليا، والنصيحة المخلصة. الطاعة للقانون والدستور هي الضمانة الوحيدة لوحدة الدولة واستقرارها، وهي الأساس لبناء سورية الحديثة التي يحلم بها جميع السوريين، ويجب أن تظل القيادة، في أي وقت، ملتزمة بهذه المبادئ كخط الدفاع الأول ضد الفوضى والانقسامات، وكضمانة لاستمرار الدولة ككيان عادل ومستقر وموحد.