
الثورة لا تُقاس بالمقارنة مع الخراب
من أكثر الأفكار خطورة على أي ثورة أن تتحول مع الوقت إلى مجرد عملية مقارنة بين “الأسوأ” و”الأقل سوءاً”. فحين يصبح معيار النجاح هو أن يكون الواقع الحالي أخف قسوة من الماضي، تكون الثورة قد فقدت جزءاً كبيراً من معناها الأخلاقي والإنساني.
الشعب السوري لم يخرج يوماً ليبدّل نظاماً بآخر فقط، ولم يقدّم كل ذلك الألم والدم والاقتلاع لكي ينتقل من نسخة ثقيلة إلى نسخة أخف منها. الناس خرجوا لأنهم أرادوا تغييراً جذرياً في معنى الدولة، وفي علاقة الإنسان بالسلطة، وفي قيمة الحرية والكرامة والعدالة. خرجوا لكي يتبدل الحال كله، لا لكي يُعاد تدوير المشهد بأسماء جديدة وخطابات مختلفة.
ولهذا، فإن مجرد تبرير أي خلل حالي بالقول إن “النظام السابق كان يفعل ما هو أسوأ” هو انزلاق خطير نحو المقارنة النسبية، لا نحو التقييم الحقيقي. لأن المقارنة هنا لا تتم مع الحلم الذي خرج الناس من أجله، بل مع القاع الذي أرادوا الهروب منه. وهذه ليست عدالة، بل تخفيض تدريجي لسقف التوقعات حتى يصبح الناس ممتنين لأي مساحة أقل من القمع أو لأي قدر أقل من الفساد أو الإهانة.
الثورات لا تُقاس بحجم المسافة التي ابتعدت بها عن الاستبداد فقط، بل بحجم اقترابها من القيم التي وُلدت لأجلها. فالحرية ليست أن يكون الخوف أقل، والعدالة ليست أن يصبح الظلم أخف، والكرامة ليست أن تُهان بطريقة أكثر تهذيباً.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي تحول سياسي هو أن يتحول الشعب من صاحب قضية إلى مجرد مراقب يقارن بين نسختين من الخلل، ثم يُطلب منه أن يختار “الأقل ضرراً”. لأن هذا المنطق، مع الوقت، يقتل روح المحاسبة ويصنع حالة من التطبيع مع الأخطاء، طالما أنها لا تصل إلى مستوى الكارثة السابقة.
لا أحد يطالب بالكمال، ولا أحد يتجاهل تعقيدات المرحلة أو آثار السنوات الثقيلة التي مرت على سوريا. لكن الفرق كبير بين تفهّم الصعوبات وبين تحويل الماضي إلى شماعة دائمة لتبرير الحاضر. فالدول لا تُبنى بالحنين إلى سوء الأمس، بل بالشجاعة في مواجهة أخطاء اليوم.
إن احترام تضحيات السوريين يبدأ من الحفاظ على المعنى الحقيقي لما طالبوا به، لا من اختزاله في مقارنة تقنية بين عهدين. لأن الثورة التي تفقد بوصلتها الأخلاقية تتحول تدريجياً إلى مجرد تبديل في الوجوه، بينما يبقى جوهر الأزمة كما هو.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يبقى حاضراً دائماً ليس: “هل نحن أفضل من السابق؟”، بل: “هل نحن نسير فعلاً نحو ما خرج الناس لأجله؟”.