--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الوطن ليس غنيمة للمنتصرين

Salah Kirata • ٢٢‏/٤‏/٢٠٢٦

25855.jpg

الوطن ليس غنيمة للمنتصرين :

في كل مرة يجرؤ فيها مواطن على الاعتراض على الغلاء، أو يطالب بخدمة أساسية، أو ينتقد تفرد السلطة واحتكارها للمناصب والقرارات، ينهض فريق من المصفقين الجدد بسؤال جاهز، محفوظ، يُلقى في وجهه وكأنه حكم نهائي لا يقبل النقاش:
-  أين كنتم طوال السنوات الماضية حين كانت المأساة تلتهم البلاد والناس؟..
 وكأن هذا السؤال وحده كافٍ لإسكات أي صوت، وإلغاء أي حق، وتحويل المواطن من صاحب قضية إلى متهم مطالب بإثبات وطنيته...

هذا النوع من الخطاب لا يبحث عن الحقيقة، بل عن إخضاع الناس، هو لا يريد أن يعرف أين كان أحد، بل يريد أن يقول له: 
لا يحق لك أن تتكلم، لأننا نحن أصحاب الشرعية الحصرية، ونحن من نملك رواية الألم، ونحن وحدنا من يحق لنا الحديث باسم الوطن...

ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لكان على كل مواطن أن يحمل معه سجلًا مفصلًا عن حياته خلال الأعوام الماضية: 
(أين عاش، كيف نجا، ماذا خسر، لمن بكى، ومتى صمت، ومتى تكلم، حتى يُعرض هذا الملف عند كل نقطة تفتيش سياسية جديدة يقيمها أنصار السلطة في الشوارع وعلى صفحات التواصل وفي مؤسسات الدولة)...

الأخطر من السؤال نفسه هو ذلك الإحساس العميق بالاحتكار الذي يسكنه، فحين يتحدث بعضهم بضمير الجماعة وكأنهم هم الوطن ذاته، وكأن الألم الذي أصاب السوريين أصبح ملكًا مسجلًا باسم فئة محددة، فإنهم لا يدافعون عن قضية، بل يؤسسون لاستبداد جديد يقوم على احتكار المعاناة واحتكار الوطنية معًا...

- من قال إن دماء الضحايا ملك سياسي؟..
-  ومن منح أحدًا حق التصرف بذاكرة الناس وآلامهم؟..
 الشهداء ليسوا شهادة استثمارتُستخدم في السوق السياسية، ولا هم ملكًا لحزب أو سلطة أو جمهور يوزع صكوك الوطنية على الآخرين، الشهيد هو ابن وطن كامل، لا ابن جماعة تريد تحويله إلى رصيد دعائي...

- ثم ماذا عن أولئك الذين لم تُهدم بيوتهم ولكن تهدمت أعمارهم؟..
- الذين لم يسقط فوق رؤوسهم برميل، لكنهم عاشوا كل يوم تحت ركام الخوف والفقر والإذلال؟..
 - هل هؤلاء أقل استحقاقًا للحياة الكريمة؟..
- هل يصبح حقهم في الخبز والكهرباء والدواء مشروطًا بأن يقدموا شهادة إثبات ألم مقبولة من الشبيحة الجدد؟..

المشكلة هنا ليست في الجملة وحدها، بل في العقلية التي تنتجها؛ عقلية الغلبة، لا عقلية الدولة، عقلية ترى الوطن غنيمة حرب، لا عقدًا جامعًا بين المواطنين، عقلية تعتبر أن من امتلك القوة امتلك الحق، وأن من ربح المعركة يحق له أن يحتكر المستقبل...

هذه الذهنية تتجسد اليوم بوضوح لدى جماعة دأبت على تسميتهم بجماعة "أحمدنا"، أولئك الذين يتعاملون مع السيدأحمد الشرع لا بوصفه رئيسًا يخضع للمساءلة، بل بوصفه شخصية فوق النقد، أقرب إلى القداسة السياسية منها إلى المسؤولية العامة، بالنسبة لهم، الاعتراض خيانة، والمطالبة بالإصلاح تشكيك، والنقد مؤامرة، وكأن الوطن اختُزل في شخص، والدولة تحولت إلى ظلٍّ للحاكم لا إلى مؤسسة للجميع...

هم لا يؤمنون بالمواطنة، بل بالولاء، لا يفهمون السياسة باعتبارها مساحة اختلاف ومحاسبة، بل باعتبارها طاعة دائمة ومبايعة مفتوحة، ولذلك فإن أي مواطن يطالب بحقه يُنظر إليه باعتباره خصمًا، لا شريكًا في هذا الوطن...

وحين يقول أحدهم بفخر: 
نحن من ثرنا، فإنه يتحدث وكأن الثورة منحت أصحابه حقًا أبديًا في الحكم، وكأن المشاركة في لحظة تاريخية تحولت إلى تفويض مفتوح لا ينتهي، لكن الثورة ليست سند ملكية، ولا بطاقة امتياز فوق المجتمع، الثورة الحقيقية تُقاس بما تبنيه من عدالة، لا بما تمنحه من سلطة...
عموماً:
السؤال الحقيقي ليس:
- من ثار؟..
 بل: 
- ماذا فعلتم بعد ذلك؟..
- هل بُنيت دولة قانون؟..
- هل حُفظت كرامة الناس؟..
- هل أصبحت المؤسسات أكثر عدلًا وكفاءة؟..
- أم أننا أمام إعادة إنتاج للاستبداد نفسه، لكن بوجوه جديدة وشعارات مختلفة؟..

- كم من ثائر انتهى به الأمر حارسًا لباب الاستبداد؟..
-  وكم من شعار عن الحرية تحول إلى أداة لإسكات الناس؟..
 المشكلة ليست في ادعاء البطولة، بل في استخدام البطولة القديمة لتبرير الفشل الحالي...

والأشد مرارة أن السلطة التي تريد من المواطن أن يثبت وطنيته كل يوم، هي نفسها التي منحت التسويات والحمايات لكبار المجرمين، وفتحت أبواب الأمان لمن تلطخت أيديهم بالدم والخراب، فكيف يصبح الجائع موضع مساءلة أخلاقية، بينما يُمنح القاتل فرصة جديدة باسم الضرورات السياسية؟..

لهذا، قبل أن يسأل أحدهم الناس باستخفاف:
- أين كنتم؟..
 عليه أن ينسى نفسه لا سيما أنه لنا أن  نسألة
- أين أنتم حين يتحول الوطن إلى مزرعة؟..
-  أين أنتم حين أصبحت المناصب تُمنح على أساس الولاء لا الكفاءة؟..
- أين أنتم حين صار المواطن يُهان باسم الوطنية؟..

للعلم:
إن الوطن لا يُبنى بالاستعلاء، ولا يُحمى بالمزايدة، ولا يُدار بمنطق المنتصر والمهزوم، بل الوطن هو مساحة مشتركة تحفظ كرامة الجميع، ويكون فيه الحاكم مسؤولًا لا معبودًا، والمواطن صاحب حق لا متهمًا دائمًا...

أما حين يتحول الوطن إلى غنيمة، والثورة إلى احتكار، والشهداء إلى بطاقة عبور للسلطة، فالمشكلة لا تكون في السؤال المطروح، بل في الذين يظنون أن التاريخ منحهم حق امتلاك البلاد والعباد.