
الوطنية ليست شعارًا… بل سلوكًا يختبر في الشارع:
في لحظات التحولات السياسية، يظهر نوع من الخطاب يختزل الوطن في رواية واحدة، ويحتكر مفهوم الوطنية لصالح طرف واحد، بينما يُجرِّم كل صوت مختلف، ويُلبسه تهمة جاهزة: خيانة أو اصطفاف مع “الفلول”. هذا النمط من التفكير لا يهدد فقط حرية التعبير، بل يضرب في عمق فكرة الوطن نفسها، التي يفترض أن تكون جامعة لا إقصائية.
ما جرى في مشهدين متقابلين يعكس هذا التباين بوضوح. من جهة، اعتصام في باب توما خرج تحت شعار حماية الحريات العامة، بمشاركة متنوعة من شرائح المجتمع، رجالًا ونساءً، وبحضور واضح للتعدد الاجتماعي، مع التركيز على مطلب أساسي: صون مساحة الحرية ورفض التضييق عليها. ومن جهة أخرى، تحرك في العباسيين قدّم نفسه بخطاب وطني يندد بالإساءة للعلم، لكنه في الممارسة حمل رموزًا وشعارات تتناقض مع هذا العنوان، سواء من حيث رفع رايات تحمل دلالات مرتبطة بجماعات مسلحة، أو من حيث الطابع الأحادي للمشاركة وغياب التنوع، بل وغياب المرأة بشكل لافت.
المفارقة هنا ليست شكلية، بل جوهرية. فحين يُرفع شعار “الوطن” مع إقصاء جزء من المجتمع، يصبح هذا الشعار مجرد غطاء سياسي، لا يعكس حقيقة وطن جامع. وحين يُستخدم العلم كرمز للتفوق الأخلاقي على الآخرين، بينما تُمارس سلوكيات إقصائية، فإننا أمام تناقض ينسف المعنى الحقيقي للوطنية.
الأخطر من ذلك هو هذا المسار المتصاعد من التخوين، حيث يُعاد إنتاج خطاب أحادي لا يقبل النقد، ويُصنّف كل معارضة على أنها تهديد أو خيانة. هذا النمط من التفكير لا يؤدي فقط إلى تقسيم المجتمع، بل يمهد لمرحلة أخطر: إغلاق المجال العام أمام أي نقاش، وتحويل السياسة إلى ساحة إقصاء بدل أن تكون مساحة حوار.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي دعوة للحريات يجب أن تكون أيضًا مسؤولة، واضحة، وبعيدة عن الانزلاق نحو الفوضى أو استغلالها من قبل أطراف تسعى لتصفية حسابات أو فرض أجندات ضيقة. لكن ذلك لا يبرر، بأي حال، شيطنة المطالبين بالحرية أو نزع شرعيتهم الوطنية.
وهنا يقع العبء الأكبر على عاتق السلطة القائمة في دمشق. فالمسؤولية لا تقتصر على إدارة الأمن أو ضبط الشارع، بل تشمل أيضًا توجيه البيئة السياسية والإعلامية نحو تقليل خطاب التخوين، وفتح مساحة أوسع للنقاش، وتشجيع أنصارها على تبني خطاب أكثر عقلانية، يتسع للاختلاف بدل أن يلغيه.
إن استمرار هذا النمط من الاصطفاف الحاد، حيث يُختزل الناس بين “وطنيين” و”خونة”، سيقود البلاد إلى مزيد من التآكل الاجتماعي، ويضعف أي إمكانية لبناء عقد اجتماعي مستقر. لأن الأوطان لا تُبنى على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل، ولا تُحفظ بالاتهام، بل بالمسؤولية.
والرسالة هنا واضحة: لا أحد يحتكر الوطنية، ولا أحد يمتلك حق تعريفها وحده. الوطن مساحة مشتركة، ومن يضيّقها اليوم، سيكتشف غدًا أنه ضيّقها على الجميع، بمن فيهم نفسه.