
اليقين حين يتحوّل إلى قفص: في هشاشة الحقيقة حين تُحرس بالخوف
بقلم:
د.صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
ليس أخطر ما يمكن أن يصيب فكرةً ما هو أن تُكذَّب، بل أن تتحوّل إلى يقينٍ مغلق لا يسمح لنفسه أن يُسائل نفسه. عند تلك اللحظة تحديدًا، لا تعود الفكرة حيّة، بل تتحوّل إلى بنية مغلقة تشبه المؤسسة أكثر مما تشبه البحث، وتشبه الجدار أكثر مما تشبه النافذة.
في كل المجتمعات التي بنت سرديتها على الإجابات النهائية، يظهر نمط متكرر: يتحوّل السؤال من أداة معرفة إلى تهديد، ويتحوّل العقل من شريك في الفهم إلى متّهم محتمل. وهكذا تبدأ المفارقة الكبرى: كلما ازداد حضور “اليقين” بوصفه خطابًا سلطويًا، ازداد خوفه من أبسط أدوات المعرفة، أي السؤال.
إن الفكرة التي لا تستطيع أن تواجه السؤال دون ارتباك، ليست فكرة واثقة، بل فكرة لم تُختبر بما يكفي. لكن المجتمعات لا تتعامل دائمًا مع هذا الاحتمال بهدوء. فهي تميل إلى حماية منظوماتها المعرفية عبر تحويلها إلى مقدسات مغلقة، ثم حماية هذه المقدسات عبر إنتاج طبقات من الخوف: خوف من الشك، خوف من الاختلاف، خوف من إعادة التفكير.
وهنا تبدأ المأساة الثقافية العميقة: لا يعود الإيمان أو الفكر أو العقيدة مساحة للمعنى، بل يصبح جهازًا لحماية الاستقرار النفسي الجمعي. وحين يتحول المعنى إلى وظيفة نفسية فقط، يفقد قدرته على التطور، لأن أي تطور يتطلب قدرًا من الاضطراب.
إن المجتمعات التي تخشى السؤال لا تفقد إيمانها فجأة، بل تفقد قدرتها على التمييز بين الإيمان كاختيار حيّ، وبين الإيمان كعادة موروثة. وبين الاثنين مسافة دقيقة جدًا، لكنها هي التي تحدد ما إذا كانت الفكرة ستبقى حيّة أم ستتحول إلى طقس متكرر بلا روح.
من هنا يمكن فهم الحساسية المفرطة تجاه الشك في كثير من البنى الفكرية: ليس لأن الشك يهدم الحقيقة، بل لأنه يهدد صورة الحقيقة كما استقرت في الوعي الجمعي. فالحقيقة في ذاتها لا تحتاج إلى حراسة، لأنها إن كانت حقيقة بالفعل، فهي قادرة على الصمود أمام الاختبار. أما ما يحتاج إلى حماية دائمة، فهو دائمًا ما يكون بناءً هشًّا يخشى الانكشاف.
ولهذا يظهر نمط آخر لا يقل خطورة: ربط الأخلاق والفهم بالطاعة بدلًا من الوعي. حينها يصبح الامتثال معيارًا للصدق، ويصبح التفكير المستقل علامة خطر، لا علامة نضج. وفي مثل هذا المناخ، لا يعود الإنسان يُكافأ على الفهم، بل على التكرار.
لكن أكثر ما يكشف هشاشة هذا البناء هو حضوره أمام السؤال البسيط. فالسؤال الصادق لا يحمل عداءً مسبقًا، لكنه يملك قدرة غريبة على كشف ما تمّ تثبيته بالقوة أو العادة أو الزمن. ولذلك، غالبًا ما يُقابل السؤال ليس بالحوار، بل برد فعل دفاعي، لأن الرد العقلي يتطلب مساحة لا يمنحها الخوف.
إن المشكلة ليست في وجود اليقين، فكل إنسان يحتاج إلى قدر من اليقين كي يعيش. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا اليقين إلى حدود مغلقة تمنع الحركة الفكرية، وتتعامل مع أي محاولة للفهم بوصفها تهديدًا. عندها فقط يتحول اليقين من ضرورة وجودية إلى سجن معرفي.
وفي المقابل، لا يعني الشك الفوضى، كما يُشاع غالبًا، بل هو شكل من أشكال الانضباط العقلي. الشك ليس نفيًا للحقيقة، بل رفضًا لتثبيتها قبل اختبارها. وهو بذلك يحمي الفكر من التحول إلى عقيدة جامدة، ويحمي الإنسان من الوقوع في أسر الأفكار الموروثة دون وعي.
ولهذا فإن المجتمعات التي تسمح للأسئلة أن تعيش، هي مجتمعات لا تفقد إيمانها، بل تعيد إنتاجه باستمرار. أما المجتمعات التي تخنق السؤال، فهي لا تحمي الحقيقة، بل تؤجل انهيار تصوّرها عنها فقط.
في النهاية، ليست الأزمة بين “إيمان” و”شك”، بل بين إيمان حيّ قادر على التطور، ويقين جامد يخاف من الحياة. وبينهما تتحدد علاقة الإنسان بالفكر: إما أن يكون تابعًا لأجوبة جاهزة، أو شريكًا في صناعة المعنى.
وما يبدو في ظاهره صراعًا بين السؤال واليقين، هو في عمقه صراع بين عقل يريد أن يبقى حيًا، ونظام معرفي يخاف من أن يُختبر.
وهنا فقط تصبح العبارة الحاسمة واضحة: ليست الحقيقة ما يُحرس من السؤال، بل ما ينجو منه.