
اليورانيوم المخصّب بين مفترق التسويات وممرّات التصعيد: قراءة استراتيجية في لحظة إقليمية معلّقة
بداية وقبل أن أخوض بتفاصيل ما أريد أن أقول، إن لم تسلم ايران مخزونها من اليورانيوم المخصب لطرف ثالث وان لم تتعهد على رؤوس الأشهاد بتوقف السعي لامتلاك سلاح نووي فإن إيران فازت بالنقاط على كل من امريكا وإسرائيل في العدوان الذي سماه عليها وأقصد إيران :
تبدو المنطقة اليوم أمام عقدة استراتيجية تتجاوز تفاصيل التفاوض النووي الإيراني، لتتحول إلى اختبار شامل لموازين الردع بين القوى الكبرى والإقليمية. فالمسألة لم تعد تقنية مرتبطة بمخزون أو نسبة تخصيب، بل أصبحت معيارًا يُقاس عليه شكل النظام الإقليمي المقبل: هل يتجه نحو تسوية مستقرة، أم نحو هدنة مؤقتة تُخفي جولة صراع جديدة؟
في قلب هذا المشهد، لا يظهر أي طرف قادر على فرض خاتمة حاسمة. فواشنطن وحلفاؤها لا يملكون القدرة على فرض استسلام سياسي كامل يترجم أهدافهم الأمنية كما يتصورونها، كما أن طهران بدورها لا تبدو في وارد تقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر برنامجها النووي أو موقعها الإقليمي. وهكذا تتحول الأزمة إلى حالة “توازن عجز متبادل”، حيث يمتلك الجميع القدرة على التعطيل، دون القدرة على الحسم.
الحديث عن مهلات زمنية أو مسارات تفاوضية قصيرة يبدو أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى صناعة حل. فهذه الفترات الانتقالية لا تعالج جوهر الخلاف، بل تؤجله، وتبقيه مفتوحًا على احتمالات التصعيد أو الانفجار في أي لحظة، خصوصًا أن القضايا الجوهرية – وفي مقدمتها الملف النووي والقدرات العسكرية المرتبطة به – ما زالت خارج نطاق التفاهم الحقيقي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الساحة اللبنانية ولا الإقليمية عن هذا الاشتباك الكبير. فكل جبهة إقليمية تبدو وكأنها امتداد غير مباشر لمعادلة الردع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. غير أن أي تسوية جزئية في ساحة واحدة لا تبدو كافية لتغيير الصورة العامة ما لم تُترجم إلى تفاهمات أوسع تشمل جوهر التوازنات الأمنية.
اللافت أن الخطاب الأوروبي في الآونة الأخيرة بدأ يعكس قلقًا متزايدًا من استمرار الغموض النووي الإيراني، لكنه في الوقت نفسه يفتقر إلى أدوات ضغط حاسمة أو رؤية موحدة لكيفية فرض مقاربة مختلفة. وهذا التباين بين القلق والقدرة يعزز حالة الجمود بدل أن يخرقها.
اقتصاديًا، يبقى العامل الأكثر حساسية مرتبطًا بأمن الممرات البحرية وأسعار الطاقة العالمية. فأي اهتزاز في استقرار الإمدادات عبر الممرات الحيوية سينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، ما يفسر رغبة الأطراف الدولية في احتواء التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، حتى لو بقيت جذور الأزمة دون حل.
لكن جوهر الإشكالية أعمق من ذلك كله: لا يبدو أن أي طرف مستعد للاعتراف بالخسارة أو تقديم تنازل يمكن تفسيره على أنه هزيمة سياسية أو استراتيجية. هذا الرفض المتبادل للاعتراف بالهزيمة هو ما يجعل أي تسوية دائمة شبه مستحيلة في المدى المنظور، ويحوّل كل اتفاق محتمل إلى محطة مؤقتة في مسار أطول من إعادة التموضع.
من زاوية استراتيجية بحتة، يمكن القول إن المنطقة لا تسير نحو نهاية حرب بقدر ما تسير نحو إعادة توزيع لموازين القوة داخلها. فحتى في حال توقيع تفاهمات جزئية، ستبقى قابلة للاهتزاز طالما أن الملفات الأساسية لم تُحسم جذريًا.
النتيجة الأبرز حتى الآن هي أن الجميع يربح الوقت، لكن لا أحد يربح الحسم. وفي مثل هذه الحالات، يصبح “اللا حسم” نفسه شكلًا من أشكال الصراع المستمر، حيث تُدار الأزمة بدل أن تُحل.
وعليه، فإن مستقبل المنطقة سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إنهائه. أما استمرار الوضع الحالي، فيعني عمليًا تثبيت حالة انتظار طويلة، قد تكون مقدمة لجولات أكثر حدة في المستقبل، لا نهاية لمسار التصعيد.