
الظل الذي ابتلع الطيار حكاية الطيار الإسرائيلي (رون آراد)
لم يكن أحد يتوقع أن تنتهي الغارة بتلك الطريقة، في سماء الجنوب اللبناني، فوق التلال المتعرجة حول النبطية، كانت الطائرات الإسرائيلية تعتقد أنها تقوم بمهمة اعتيادية: قصف مواقع للمقاومة ثم العودة إلى القاعدة. لكن السماء نفسها كانت تخبئ مفاجأة...
صاروخ انطلق من الأرض، تبعته لحظة صمت قصيرة، ثم كرة نار انفجرت في السماء. الطائرة أصيبت، بدأت تهوي مثل طائر جريح، يتخبط بين الدخان واللهب قبل أن تختفي خلف التلال...
في الأرض، لم يكن المقاومون ينتظرون طويلاً، تحركوا بسرعة نحو مكان السقوط، بين الحطام المتناثر وقطع المعدن المحترقة، وجدوا الرجل الذي سيصبح اسمه لغزاً دولياً لسنوات طويلة: الطيار الإسرائيلي رون آراد...
كان مصاباً، لكنه حي. قُيّدت يداه بسرعة. لم يكن هناك وقت للأسئلة. أُبلغت القيادة فوراً...
وصل الخبر إلى رجل يعرفه الجميع بلقب واحد (أبو علي مصطفى الديراني)، كان مسؤول الأمن المركزي في حركة أمل، استمع بهدوء إلى التقرير القصير، ثم قال جملة واحدة حاسمة:
"أحضروه إلى الضاحية… لكن انتبهوا للطريق".
كان الطريق من النبطية إلى بيروت أخطر من أي معركة، فالطائرات الإسرائيلية يمكن ان تعود في أي لحظة، والكمائن السياسية كانت أكثر تعقيداً من الكمائن العسكرية.
تحركت السيارة الأولى حاملة الأسير، لكن قبل الوصول إلى منطقة الأولي، حيث يقع حاجز تسيطر عليه الاستخبارات السورية، اتخذ الآسرون قراراً ذكياً، أوقفوا السيارة. نقلوا الأسير إلى سيارة أخرى، ثم إلى ثالثة.
لم يكن ذلك خوفاً من الطيران الإسرائيلي فقط، بل من شيء آخر.
كانوا يعرفون أن عبور الحاجز السوري بالأسير يعني نهاية الأمر، ستأخذه الاستخبارات فوراً، سيرحل إلى بيروت، ومن هناك إلى دمشق، وفي دمشق سيصبح ورقة سياسية في يد الرئيس حافظ الأسد، يفاوض بها إسرائيل وأمريكا.
لهذا، عندما اقتربوا من الحاجز، تركوا السيارة الأخيرة تماماً، وعبروا مشياً على الأقدام...
كان الأسير يسير بينهم بصمت، كأنه يسير داخل مصير مجهول...
(وهكذا اختفى رون آراد).
لم يختفِ في السجون، ولا في القواعد العسكرية، بل في شبكة صغيرة من الرجال الذين كانوا يعرفون أن الأسر أحياناً أخطر من الحرب...
أصبح الطيار في قبضة الأمن المركزي لحركة أمل، لكن الأحداث لم تبقَ على حالها، داخل الحركة نفسها حدث انشقاق كبير، خرج مصطفى الديراني مع مجموعة من رفاقه، زكريا حمزة (أبو يحيى)، أديب حيدر، علي الحسيني وغيرهم، أسسوا تنظيماً جديداً سُمّي حركة أمل المؤمنة، وكان أقرب إلى خط المقاومة الإسلامية الصاعد آنذاك.
وسط كل هذه التحولات، بقي السر الأكبر في يد رجل واحد تقريباً، وهو مصطفى الديراني.
لم يكن يثق إلا بالقليل جداً من الناس، لذلك تولى بنفسه مسؤولية حماية الأسير، نقله إلى مكان لا يعرفه إلا عدد محدود للغاية، حتى أقرب رفاقه لم يكونوا يعرفون العنوان الحقيقي.
وفي تلك الفترة حدثت واحدة من أعنف المعارك في البقاع الغربي، في بلدة ميدون، حاولت القوات الإسرائيلية تنفيذ إنزال عسكري، اشتبك المقاومون معها في معركة قاسية، سقط فيها عشرات القتلى والجرحى من الجنود الإسرائيليين، وكان الحراس الذين يراقبون الأسير من بين الذين ذهبوا للقتال، في ذلك الزمن، كانت الحرب لا تترك أحداً خارجها.
أما حزب الله، الذي كان يصعد نجمه في الجنوب والبقاع، فلم يكن يعرف الحقيقة كاملة، لاحقاً، سيقول أمينه العام حسن نصر الله جملة قصيرة لكنها عميقة الدلالة:
"جاءنا شخص مجهول وحدثنا عن رون آراد".
جملة صغيرة كشفت أن السر لم يكن في يد تنظيم كبير، بل في يد دائرة ضيقة جداً من الرجال.
ومرّت السنوات، بعض هؤلاء الرجال قُتلوا، بعضهم اختفى، وبعضهم صمت إلى الأبد.
لكن إسرائيل لم تتوقف عن البحث، وفي ليلة من ليالي البقاع، هاجمت قوة إسرائيلية خاصة بلدة قصر نبا، حيث منزل مصطفى الديراني، كانوا يعتقدون أن الطيار مخبأ هناك.
اقتحموا المنزل، بحثوا في كل زاوية فلم يجدوا شيئاً، لكنهم وجدوا الرجل نفسه.
اختطفوا الديراني ونقلوه إلى إسرائيل، هناك تعرّض لتعذيب قاسٍ ومحاولات إذلال متكررة، أرادوا منه شيئاً واحداً فقط(مكان رون آراد)، لكنه لم يتكلم، لماذا؟
لأن عقل الأمن الذي كان يملكه جعله يتخذ احتياطاته مسبقاً، لم يكن أحد يعرف الموقع الكامل، وحتى خلال خطفه، كان رفاقه قد نقلوا الأسير أو رفاته إلى مكان آخر.
بعد سنوات، خرج الديراني من السجون في صفقة تبادل مع حزب الله، لكن لغز الطيار بقي كما هو.
في هذه الأثناء بقي اسم واحد يتكرر في الظلال، أحمد شكر، الضابط السابق في الأمن العام اللبناني، كان من القلائل الذين امتلكوا خيوطاً من القصة، وفي أحد الأيام، استُدرج إلى لقاء في مدينة زحلة، لم يكن لقاء عادياً، كان فخاً، واختُطف الرجل.
تشير التحقيقات لاحقاً إلى أن الخاطفين نقلوه إلى فلسطين المحتلة، السبب كان واضحاً، فإسرائيل تعتقد أنه يعرف مكان جثة رون آراد.
كيف وصلت إليهم هذه الفكرة؟
ربما عبر سنوات من جمع المعلومات، وربما من كلمات قالها شكر نفسه في لحظة ثقة أو غفلة، لكن حتى هذه المحاولة لم تنجح، بعد فترة قصيرة، شنّت إسرائيل عملية عسكرية قرب بلدة النبي شيت في البقاع، كانت تبحث عن الرفات.
وبعد يومين فقط، أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فشل العملية.
مرة أخرى… ضاع الأثر.
يعتقد كثيرون أن من بقي من العارفين بالمكان الحقيقي نقل الرفات فور خطف أحمد شكر، أُخرج التابوت الخشبي من الأرض، نُقل بصمت إلى مكان آخر لا يعرفه أحد.
وهكذا تحولت قصة طيار سقط في حرب إلى واحدة من أعقد الألغاز في تاريخ الصراع.
سنوات طويلة مرت، الرجال تغيروا، الحروب تبدلت،والدول نفسها اهتزت.
لكن اسم رون آراد بقي معلقاً في الهواء مثل طائر سقط في السماء، ثم ابتلعته الأرض.