--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

أموال المتقاعدين بين الوصاية والعدالة المؤجلة

Salah Kirata • ٢٦‏/٣‏/٢٠٢٦

16060.jpg

أموال المتقاعدين بين الوصاية والعدالة المؤجلة:

لم يعد النقاش حول معاشات المتقاعدين مجرد مطلب معيشي عابر، بل تحوّل إلى سؤال جوهري يتعلق بالحق والملكية والعدالة. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بنسبة زيادة هنا أو هناك، بل بمبدأ أساسي: لمن تعود هذه الأموال، ومن يملك حق التصرف بها؟

المتقاعد لم يكن يوماً عبئاً على الدولة، بل كان شريكاً في بنائها. سنوات طويلة من العمل، اقتُطعت خلالها نسب محددة من دخله، لم تكن ضرائب بالمعنى التقليدي، بل مساهمات تراكمية ضمن منظومة تكافل اجتماعي يفترض أن تضمن له حياة كريمة بعد انتهاء خدمته. هذه الأموال لم تأتِ من فراغ، ولم تُمنح له لاحقاً كمنّة، بل هي حق مكتسب تشكّل عبر عقود من الاقتطاع المنظم.

من هنا، فإن الحديث عن منح زيادات للمتقاعدين بنسب مختلفة عن تلك التي يحصل عليها العاملون حالياً يفتح باباً واسعاً للتساؤل. ليس فقط حول العدالة في التوزيع، بل حول النظرة التي تُدار بها هذه الفئة. وأظن—رغم أن بعض الظن إثم—أن الإيحاء بعدم المساواة في الزيادة لم يكن مجرد قرار مالي بحت، بل يحمل في طياته انطباعاً أولياً تشكّل لدى بعض الجهات، وكأن المتقاعدين، وفق تصور الحكومة الانتقالية، يُنظر إليهم بوصفهم امتداداً لمرحلة سابقة، أو جزءاً من بنية النظام القديم. ولا يمكن تجاهل أن عدداً غير قليل منهم كان ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية في تلك المرحلة، وهو ما قد يكون ألقى بظلاله على طريقة التعامل معهم اليوم.

في المقابل، يبدو أن العاملين الحاليين يُنظر إليهم باعتبارهم جزءاً من المرحلة الجديدة، ممن لا يُدرجون ضمن دائرة “المغضوب عليهم ولا الضالين”، إن صح التعبير، وهو توصيف يعكس تبايناً غير معلن في المعايير، أكثر مما يعكس اختلافاً موضوعياً في الحقوق.

لكن، حتى لو صح هذا التصور، فإنه لا يصمد أمام أي معيار قانوني أو أخلاقي. الحقوق التأمينية لا تُبنى على التصنيفات السياسية، ولا تُعاد صياغتها وفق المزاج العام أو التحولات المرحلية. هي حقوق مالية صرفة، قائمة على الاشتراك والاقتطاع والاستحقاق، وأي مساس بها خارج هذا الإطار يُعد خللاً في جوهر العقد الاجتماعي نفسه.

ثم إن إدارة أموال التأمينات تطرح إشكالية أعمق. فهذه الكتلة المالية الضخمة، المتأتية من مساهمات العاملين وأرباب العمل، كان يفترض أن تُدار بمنطق استثماري يضمن استدامتها ونموها. ولو أُحسن توظيفها، لكانت قادرة ليس فقط على تحسين المعاشات، بل أيضاً على تأمين مظلة صحية حقيقية للمتقاعدين، خاصة أولئك الذين أثقلتهم الأمراض المزمنة وكلفة العلاج.

المشكلة، إذاً، ليست في ندرة الموارد بقدر ما هي في طريقة إدارتها. وهنا يبرز طرح مشروع: لماذا لا يكون للمتقاعدين أنفسهم دور حقيقي في إدارة مؤسستهم؟ أليسوا هم المالكين الفعليين لهذه الأموال؟ أليس من حقهم أن يكون لهم مجلس إدارة يمثلهم، يضع السياسات، ويراقب الأداء، ويحدد أولويات الصرف والاستثمار؟

إن تحويل مؤسسة التأمينات إلى كيان يُدار بعقلية الوصاية، بدلاً من الشراكة، هو ما عمّق الفجوة بين أصحاب الحق والجهة التي تدير أموالهم. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشعور إلى حالة من فقدان الثقة، وربما إلى غضب مكتوم لم يعد بالإمكان تجاهله.

المتقاعد لا يطلب صدقة، ولا ينتظر إحساناً. هو يطالب بحقه، كاملاً غير منقوص، وبإدارة شفافة لأمواله، وبمعاملة عادلة لا تميّز بينه وبين غيره على أساس غير مالي. وهو قبل ذلك وبعده، يطالب برفع الوصاية عن قرارات تخص حياته وكرامته.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في هذه العلاقة المختلّة، ليس فقط من باب الإنصاف، بل من باب الاستقرار الاجتماعي أيضاً. فالمجتمع الذي لا يصون حقوق من خدموه بالأمس، يبعث برسالة مقلقة لمن يخدمونه اليوم.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: أموال المتقاعدين ليست بنداً في الموازنة، بل هي أمانة. وأي يد تمتد إليها بغير حق، إنما تمسّ جوهر العدالة قبل أن تمسّ جيوب أصحابها.