
عندما تعجز القوة عن فرض النتائج: ترمب والتطبيع بعد اختبار إيران
في العلاقات الدولية، لا يكفي أن تمتلك القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي لكي تفرض روايتك على الآخرين. فالسياسة تُقاس في النهاية بما يتحقق على الأرض، لا بما يُقال على المنابر ولا بما يُكتب في البيانات.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن الرئيس ترمب يحاول إعادة تدوير ملف التطبيع العربي–الإسرائيلي بوصفه عنواناً سياسياً كبيراً يعوّض تعثرات أوسع في مقاربة الولايات المتحدة للمنطقة، وخصوصاً في التعامل مع إيران وتوازنات الإقليم.
فالرهان الأمريكي المتكرر على أن الضغوط القصوى أو الاستعراض السياسي يمكن أن يدفعا المنطقة إلى إعادة الاصطفاف وفق الرؤية الأمريكية، اصطدم بحقائق أكثر تعقيداً: إيران لم تُزل من المشهد، والتوازنات الإقليمية لم تُعد صياغتها كما كان يُطرح، والحلفاء أنفسهم لم يعودوا مستعدين لتقديم تنازلات استراتيجية بلا مقابل سياسي واضح.
ومن هنا عاد خطاب التطبيع إلى الواجهة، وكأنه الإنجاز البديل الذي يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً. لكن المشكلة أن المنطقة تغيّرت، ولم يعد بالإمكان التعامل مع الدول العربية الكبرى بوصفها ساحات تتلقى الإيقاع الأمريكي ثم تتحرك على أساسه.
السعودية قدّمت، بوضوح سياسي لافت، مقاربة مختلفة: أي انتقال إلى علاقات طبيعية مع إسرائيل لا يمكن فصله عن مسار جدي ومحدد المعالم يقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. هذا ليس شرطاً تفاوضياً مؤقتاً، بل إعادة تعريف لأولويات المنطقة كما تراها الرياض.
وهنا تظهر حدود المقاربة الأمريكية: الحديث عن توسيع اتفاقات التطبيع دون تقديم تصور سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية يجعل المشروع يبدو وكأنه إدارة للشكل لا معالجة للمضمون.
الرسالة التي تبدو واشنطن مطالبة بقراءتها ليست أن الدول العربية ترفض الانفتاح أو إعادة تشكيل الإقليم، بل أن زمن «التطبيع المجاني» قد انتهى، وأن أي ترتيبات جديدة يجب أن تمر عبر بوابة الحقوق السياسية والاستقرار طويل الأمد.
إذا أرادت إدارة ترمب أن تبني إنجازاً قابلاً للحياة، فلن يتحقق ذلك عبر الإلحاح على الاتفاقات وحدها، بل عبر الاعتراف بأن الطريق إلى أي شرق أوسط جديد لا يمر فوق فلسطين… بل يمر من خلالها.