
عندما تسقط القواعد… هل يقترب العالم من زمن القوة العارية؟
أتابع ما يجري في العالم بقلق عميق، ليس لأن صراعاً جديداً اندلع هنا أو هناك، بل لأنني أشعر أن ما يتآكل أمام أعيننا ليس مجرد توازنات سياسية، بل الإطار الذي حكم العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد قلت بعضاً من هذه الأفكار في حديث سابق لي على غير فضائية، حين أشرت إلى أن العالم يبدو وكأنه ينتقل تدريجياً من نظام تحكمه قواعد – ولو شكلية – إلى واقع تتحكم فيه القوة المباشرة دون غطاء قانوني حقيقي.
إن أي صراع كبير، مثل المواجهة المتصاعدة مع إيران، لا يمكن النظر إليه بوصفه حدثاً إقليمياً معزولاً. فمثل هذه اللحظات غالباً ما تكشف التحولات العميقة في بنية النظام الدولي. وإذا أصبح استهداف قيادات الدول أو تغيير الأنظمة بالقوة أمراً عادياً، فإن ذلك يعني ببساطة أن مبدأ السيادة الذي قام عليه النظام الدولي الحديث لم يعد مقدساً كما كان.
من خبرتي الطويلة في متابعة السياسة الدولية، أعرف أن الدول لا تتحرك فقط بدوافع القانون أو الأخلاق، بل بالمصالح والقوة. لكن الفرق بين عالم تحكمه قواعد، وعالم تحكمه القوة وحدها، هو أن القواعد – حتى عندما تُخرق – تظل مرجعاً يحتكم إليه الجميع. أما إذا اختفى هذا المرجع، فإن الباب يُفتح أمام سباق خطير بين القوى الإقليمية والدولية.
في مثل هذا المناخ، قد تبدأ الدول بالتصرف على قاعدة: من يسبق إلى الضربة يفرض الواقع. وهذا منطق شديد الخطورة، لأنه يختصر السياسة إلى ردع وضربات استباقية، ويجعل التوترات المحلية قابلة للتحول بسرعة إلى أزمات كبرى.
لهذا السبب أعتقد أن ما يحدث اليوم يجب أن يُقرأ بعين استراتيجية لا بعين إعلامية فقط. فالقضية ليست فقط من سينتصر في معركة معينة، بل أي نموذج للعلاقات الدولية سيسود بعد ذلك. هل سنعود إلى منطق القرن التاسع عشر حيث كانت الإمبراطوريات تفرض إرادتها بالقوة؟ أم سنتمكن من إنقاذ ما تبقى من فكرة النظام الدولي المنظم بالقانون؟
لقد قلت سابقاً إن تجاهل هذه التحولات أو التقليل من خطورتها ليس موقفاً واقعياً. التاريخ يخبرنا أن اللحظات التي يختل فيها ميزان النظام الدولي تكون غالباً مقدمة لفترات طويلة من الاضطراب. وإذا شعر اللاعبون الدوليون بأن لا شيء يمنع استخدام القوة، فإن احتمالات التصعيد ستزداد في أكثر من منطقة من العالم.
لكنني، رغم كل هذا التشاؤم، لا أرى أن العالم محكوم بالضرورة بالسقوط في الفوضى. فالتاريخ أيضاً يبين أن الأزمات الكبرى قد تدفع الدول في النهاية إلى إعادة بناء قواعد جديدة للتوازن والاستقرار، حتى لو جاء ذلك بعد مرحلة مؤلمة من الصراع والتوتر.
في رأيي، التحدي الحقيقي اليوم ليس في كسب معركة هنا أو هناك، بل في منع تحول النظام الدولي إلى ساحة مفتوحة لمنطق القوة العارية. فإذا حدث ذلك، فلن يكون أي بلد – مهما كان قوياً – بمنأى عن تداعيات عالم بلا قواعد.