
عندما تصطدم دبلوماسية الإنذار بحدود الردع: مأزق المواجهة بين واشنطن وطهران
يبدو أن مقاربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الملف الإيراني، كما تعكسها تحليلات وكالة رويترز، تدخل مرحلة اختبار صعب بين منطق القوة القائمة على الإنذارات والتهديدات العلنية، ومنطق التفاوض الذي يتطلب قدراً أعلى من المرونة والتدرج. فنهج الضغط العلني، الذي يُفترض أنه يهدف إلى تسريع التنازلات، قد يتحول في الواقع إلى عامل تعقيد يضيّق مساحة الحلول بدل أن يوسّعها.
في قلب هذا المأزق، يبرز ما أشار إليه المفاوض الأمريكي السابق روب مالي، من أن أي اتفاق يُقدَّم داخلياً في إيران باعتباره “استسلاماً” كاملاً يصبح غير قابل للحياة سياسياً. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بمكاسب مادية أو تفاهمات تقنية، بل تتصل مباشرة بصورة الدولة وشرعية القرار أمام الرأي العام الداخلي. وعندما يُرفع سقف الخطاب التفاوضي إلى مستوى الإذلال السياسي، فإن هامش المناورة يتقلص، وقد يصبح التراجع نفسه مكلفاً إلى حد تعطيل أي اتفاق.
في المقابل، تدافع المتحدثة باسم البيت الأبيض عن هذا النهج، معتبرة أنه أثبت قدرته على تحقيق “صفقات جيدة” في ملفات أخرى. غير أن هذا التقييم يصطدم بتحديات داخلية متزايدة في الولايات المتحدة، حيث تتأثر الأوضاع السياسية بارتفاع أسعار الوقود وتراجع مستويات الرضا الشعبي، في ظل ضغوط انتخابية متصاعدة مع اقتراب الاستحقاقات النيابية. وهكذا يتحول الملف الإيراني من قضية خارجية إلى عنصر مؤثر في التوازنات الداخلية الأمريكية.
وفي سياق التحذيرات، يرى عدد من الخبراء أن الجمع بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية القسرية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في دفع إيران إلى تسريع تطوير برنامجها النووي باعتباره وسيلة ردع نهائية. ووفق هذا التصور، فإن تشديد الخناق قد لا يؤدي إلى التراجع، بل إلى تعزيز منطق “التحصين النووي” على غرار النموذج الكوري الشمالي، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الإقليمي والدولي.
كما يشير مستشارون سابقون إلى إشكالية أخرى تتعلق بتناقض الخطاب السياسي وتوقيته، إذ إن التصريحات المندفعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عندما تصدر خارج إطار دبلوماسي منسق، قد تُضعف فاعلية الرسائل الأمريكية، وتربك الحلفاء والخصوم في آن واحد، من دون أن تحقق نتائج عملية ملموسة.
ورغم هذه الانتقادات، يذهب بعض المدافعين عن هذا النهج إلى أنه حقق نجاحات في ملفات سابقة، سواء في فرض تنازلات تجارية أو في إدارة أزمات إقليمية معقدة. إلا أن مقارنة الحالة الإيرانية بتلك النماذج تبدو محدودة الجدوى، نظراً لطبيعة النظام الإيراني، الذي يستند إلى بنية أيديولوجية ومؤسسية صلبة، ويتعامل مع الضغوط بوصفها جزءاً من صراع طويل الأمد لا مجرد خلاف قابل للحل السريع.
في النهاية، تكشف هذه المقاربة عن معضلة أعمق من مجرد أسلوب تفاوضي: هل يمكن أن تتحول سياسة الضغط الأقصى والإنذارات العلنية إلى أداة لإنتاج اتفاق مستدام، أم أنها تدفع الأطراف المعنية إلى مزيد من التشدد وتوسيع دائرة التصعيد؟ وبين هذين المسارين، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين الانفراج الحذر أو الانزلاق نحو مزيد من التوتر.