--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

عندما تتحول الكوارث إلى محاكم قراءة عقلانية في فيضان دير الزور

Salah Kirata • ٣٠‏/٥‏/٢٠٢٦

40384.jpg

عندما تتحول الكوارث إلى محاكم قراءة عقلانية في فيضان دير الزور...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في كل مرة تضرب كارثة طبيعية منطقة ما، لا يتأخر البعض في البحث عن تفسير يتجاوز العلم والواقع إلى الأحكام المطلقة، وما إن اجتاح الفيضان أجزاء من دير الزور حتى ارتفعت أصوات تعتبر ما جرى عقاباً إلهياً مستحقاً، وربطت بين المأساة وبين مواقف سياسية أو اجتماعية سابقة صدرت عن بعض أبناء المنطقة... وكأن الطبيعة تحولت إلى أداة للقصاص، وكأن البشر أصبحوا قادرين على معرفة المقاصد الإلهية وتحديد أسبابها النهائية...

هذه النظرة تبدو للوهلة الأولى تعبيراً عن إيمان ديني، لكنها في حقيقتها تطرح إشكالية أخلاقية وفكرية عميقة، فالإيمان بأن الله يعلم كل ما يجري في الكون شيء، والادعاء بمعرفة الحكمة الإلهية الكامنة وراء كل حادثة شيء آخر تماماً...
الأول:
 يدخل في نطاق العقيدة...
 أما الثاني :
فيقترب من مصادرة حق لا يملكه الإنسان، وهو تفسير الغيب والجزم بأسباب أفعال الله وأقداره...

المشكلة لا تتوقف عند حدود التأويل الديني، بل تمتد إلى مفهوم العدالة ذاته، فالكوارث الطبيعية لا تفرّق بين الناس على أساس أخلاقهم أو انتماءاتهم أو مواقفهم، عندما يرتفع منسوب المياه، فإنها لا تسأل الضحايا عن آرائهم السياسية، ولا عن طوائفهم، ولا عن سجلهم الشخصي، هي تصيب الجميع بلا تمييز، وقد يكون من بين المتضررين أطفال لم يسمعوا بالخلافات التي يتجادل حولها الكبار، وشيوخ لا علاقة لهم بما يُنسب إلى مجتمعاتهم من مواقف أو أخطاء...

لهذا تبدو فكرة العقاب الجماعي إشكالية حتى من منظور ديني وأخلاقي، فالعدالة، في معناها الحقيقي، تقوم على المسؤولية الفردية، لا على تحميل جماعات بأكملها أوزار أفراد منها، وإذا كان الإنسان يرفض في القوانين الوضعية أن يُعاقَب شخص بجريمة لم يرتكبها، فمن باب أولى أن يتجنب نسبة هذا المنطق إلى العدالة الإلهية...

ثم إن هذه التفسيرات تكشف جانباً آخر أكثر خطورة، وهو الحاجة النفسية إلى الانتقام، ففي المجتمعات التي تنهار فيها مؤسسات الدولة ويغيب فيها القانون، يبدأ بعض الناس بالبحث عن العدالة في الظواهر الطبيعية، يصبح الفيضان حكماً قضائياً، والزلازل أحكاماً نهائية، والكوارث رسائل انتقامية تعوّض عجز الواقع عن محاسبة المذنبين. لكن الكارثة ليست بديلاً عن المحكمة، والطبيعة ليست مؤسسة للعدالة الانتقائية...

الأخطر من ذلك أن الشماتة بالمصابين تكتسب غطاءً دينياً يضفي عليها شرعية زائفة، فبدلاً من أن يكون الشعور بالأسى والتضامن هو الاستجابة الطبيعية لمعاناة البشر، يتحول الألم إلى مناسبة للاحتفال الخفي، ويصبح الضحايا مادة لتصفية الحسابات، وعندما يقتنع الإنسان بأن الله يقف في خندقه السياسي أو الطائفي، فإنه لا يكتفي بعداء خصومه، بل يمنح هذا العداء قداسة تجعله أكثر صلابة وأقل قابلية للمراجعة...

لا يعني ذلك تجاهل الجرائم أو الدعوة إلى نسيان المظالم، فالمحاسبة ضرورة، والإنصاف حق، والضحايا يستحقون العدالة الكاملة، لكن العدالة تُبنى عبر القانون والمؤسسات والمسؤولية الفردية، لا عبر تأويل كل كارثة على أنها رسالة موجهة إلى جماعة بعينها، فالمجرم يُحاسَب لأنه ارتكب جريمة، لا لأن منطقته تعرضت لفيضان، والمنكوب يُساعد لأنه إنسان يحتاج إلى المساعدة، لا لأننا نتفق معه أو نختلف...

لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً من الانقسامات والكراهية خلال السنوات الماضية، وما تحتاجه اليوم ليس المزيد من تبرير الشماتة، بل استعادة الحد الأدنى من الحس الإنساني المشترك. فالمجتمعات لا تتعافى عندما يتمنى أفرادها المصائب لبعضهم البعض، بل عندما يدركون أن الألم الإنساني يجب أن يكون سبباً للتعاطف لا مناسبة للتشفي...

قد لا نعرف لماذا تقع الكوارث في زمان دون آخر، وفي مكان دون آخر، وقد تبقى كثير من الأسئلة بلا إجابات حاسمة، لكن ما نستطيع معرفته يقيناً هو أن طريقة تعاملنا مع المأساة تكشف حقيقتنا أكثر مما تكشف حقيقة القدر... فالكارثة الطبيعية تختبر البنية الأخلاقية للمجتمع: 
- هل تدفعه نحو الرحمة والتكافل والمسؤولية، أم نحو مزيد من القسوة والانقسام؟..
وهنا يكمن السؤال الأهم:
 ليست القضية ماذا أراد الله من الفيضان، بل ماذا كشف الفيضان عنّا نحن.