--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

عندما تتكلم القوة وتتصادم السرديات: اختبار جديد بين أمريكا وإسرائيل وإيران

Salah Kirata • ٢٢‏/٣‏/٢٠٢٦

15063.jpg

عندما تتكلم القوة وتتصادم السرديات: اختبار جديد بين أمريكا وإسرائيل وإيران:

في لحظات التوتر الكبرى، لا تكون المواجهة مجرد تبادل رسائل عسكرية، بل تتحول إلى صراع على المعنى ذاته: من يفرض روايته على العالم؟ ومن ينجح في إقناع الداخل والخارج بأنه الطرف القادر على فرض الشروط؟ هنا تحديداً تتكشف المواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كصراع مركّب لا يقتصر على السلاح، بل يمتد إلى الوعي السياسي وصناعة الصورة.

منذ سنوات، تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل ترسيخ سردية مفادها أن الضغط العسكري والتقني قادر على تقليص قدرات إيران أو احتوائها، بل ودفعها إلى التراجع عن مشروعها الاستراتيجي. هذه السردية لم تكن مجرد خطاب إعلامي، بل ارتبطت بعمليات استهداف منشآت، وفرض عقوبات، ومحاولات مستمرة لاحتواء النفوذ الإيراني في الإقليم. غير أن الواقع الميداني، في أكثر من محطة، كان يبعث برسائل مغايرة، تُظهر أن إيران لا تزال قادرة على الرد، بل وعلى نقل المواجهة إلى نقاط حساسة وغير متوقعة.

في المقابل، تعتمد إيران على خطاب ردعي يقوم على إظهار القدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة ومحمية، بما يخلق حالة من الشك داخل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية. وعندما تنجح أي ضربة في تجاوز منظومات دفاع متطورة، فإن الرسالة تتجاوز الحدث نفسه لتصل إلى عمق المعادلة: هل ما زالت تلك المنظومات قادرة على تحقيق الغاية التي صُممت من أجلها؟ أم أن هناك هامشاً يمكن اختراقه وإعادة رسم قواعد الاشتباك من خلاله؟

لكن الأهم من الحدث العسكري ذاته هو التوقيت وطبيعة الرسالة. فاستهداف مواقع حساسة أو ذات دلالة استراتيجية، سواء كانت مرتبطة ببرامج نووية أو بمنشآت اقتصادية حيوية، يضع الأطراف الثلاثة في قلب معادلة دقيقة. أمريكا وإسرائيل تسعيان لإظهار أن أي تهديد يمكن احتواؤه أو الرد عليه بقوة تفوقه، بينما تعمل إيران على كسر هذا الانطباع عبر إثبات أن قدرتها على الرد ليست فقط قائمة، بل قادرة على مفاجأة الخصم في الزمان والمكان.

في هذا السياق، تصبح مسألة الردع هي جوهر الصراع. فالقوة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو دقة المنظومات، بل بقدرة كل طرف على منع الآخر من اتخاذ القرار بالتصعيد. وإذا كان أي طرف يعتقد أن بإمكانه توجيه ضربة دون رد مؤثر، فإنه يكون قد أخطأ قراءة المعادلة. أما إذا تبيّن أن الرد قادم، وقادر على الوصول إلى نقاط حساسة، فإن ميزان الردع يتغير، حتى دون حرب شاملة.

ولا يمكن تجاهل البعد السياسي الداخلي في هذه المعادلة. فكل من واشنطن وتل أبيب وطهران يخاطب جمهوره الداخلي أيضاً، حيث تُستخدم الانتصارات المعلنة لتعزيز الشرعية، وتُوظف النجاحات العسكرية أو حتى الإيحاء بها في معارك السياسة الداخلية. وهنا يظهر دور الإعلام، ليس فقط في نقل الخبر، بل في صياغة الإحساس العام بالحقيقة. لذلك يصبح التساؤل حول “من نصدق” تعبيراً عن أزمة أعمق: أزمة الثقة في الروايات الرسمية عندما تتصادم مع ما يُشاهد على الأرض.

في نهاية المطاف، لا يمكن حسم مثل هذا الصراع عبر تصريح أو حادثة منفردة، فالتاريخ لا يُكتب في لحظة واحدة. ما يحدث اليوم هو فصل جديد من صراع طويل، تتداخل فيه القوة مع السياسة، والتقنية مع الرسائل الرمزية، والواقع مع الرواية. وبينما تحاول أمريكا وإسرائيل تثبيت صورة الهيمنة، تسعى إيران إلى إثبات قدرتها على كسر هذا الإطار وفرض معادلة جديدة، يبقى الحكم النهائي رهناً بتراكم الأحداث، لا بلحظة واحدة مهما كانت صاخبة.