--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

عندما تُختزل الدولة في لحظة سياسية واحدة ويُمحى تاريخ موظفيها

Salah Kirata • ١٧‏/٥‏/٢٠٢٦

35189.png


عندما تُختزل الدولة في لحظة سياسية واحدة ويُمحى تاريخ موظفيها؟! :

في كل انتقال سياسي حاد، تظهر عادة خطيرة: إعادة تعريف المجتمع والدولة على أساس الولاء اللحظي، لا على أساس المواطنة أو القانون أو التاريخ الإداري الطويل للدولة نفسها، وما يجري من مقاربة تجاه العاملين في مؤسسات الدولة السابقة يعكس هذا المنزلق بوضوح، حيث يتم التعامل مع شريحة واسعة من الموظفين والعسكريين والمتقاعدين وكأنهم كتلة واحدة من الإدانة الجماعية، لا كأفراد أدّوا وظائفهم داخل جهاز دولة قائم، بغض النظر عن تقييمنا السياسي له...

- الحقيقة البسيطة التي يجري تجاهلها عمداً أو تسويفها هي أن الموظف العامة "سواء كان مدنياً أو عسكرياً أو أمنياً"
ليس صاحب مشروع سياسي مستقل، هو جزء من آلة دولة، يؤدي وظيفة محددة ضمن نظام قانوني وإداري قائم، شأنه شأن ملايين الموظفين في أي بلد في العالم، تحت أي حكومة كانت، عادلة أو فاسدة، شرعية أو متنازع عليها...
إلا أن تحويل هذا الدور الوظيفي إلى “خيانة” أو “إجرام” هو خلط خطير بين الدولة ككيان إداري وبين السلطة كحالة سياسية مؤقتة..ظ

الأخطر من ذلك هو ما يحدث لاحقاً في مرحلة إعادة التأسيس السياسي: 
طرد واسع من الوظائف، وقطع الأرزاق، وإقصاء جماعي لكل من ارتبط بمؤسسات سيادية، دون تمييز فردي أو مسار قانوني عادل يفرّق بين من ارتكب تجاوزاً ومن كان مجرد موظف يؤدي عمله...
 هذه ليست عدالة انتقالية، بل أقرب إلى إعادة إنتاج الإقصاء ولكن بأدوات جديدة...

ثم تأتي مسألة المتقاعدين، وهي الأكثر حساسية وإنسانية، هؤلاء الذين أنهوا خدمتهم قبل سنوات إلا أنها كانت ضمن فترة الحرب ( السورية- السورية )، وتم النيل من قناة الانتماء الوطني والوظيفي، يُعاملون اليوم وكأنهم خارج الزمن الوطني الجديد، وكأن تاريخهم الإداري بدأ ينتهي عند لحظة سياسية محددة، وما قبلها لا يُعتد به إلا باعتباره فراغاً أو عيباً تاريخياً، حتى الحقوق المعيشية الأساسية، كزيادات الرواتب، تُربط أحياناً بمنطق الولاء السياسي أو التاريخي، لا بمنطق الاستحقاق الاجتماعي والإنساني، بدليل أنها لم تشمل لمرة واحدة كل من تقاعد في سورية بعد ١٥ / ٣ / ٢٠١١ وهذا يأتي تحت جرائم الحرب التي لا يشعر بها أحد لأنها لاتثير ضجيجا، وينظف من نصابها الدماء إلا أنها تأتي ضمن سياق ( العقاب الجماعي)...

إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط الضرر المباشر الذي يلحق بالناس، بل محاولة إعادة كتابة مفهوم “سورية” نفسه كهوية تبدأ من لحظة سياسية واحدة وتنتهي عندها، كأن التاريخ السابق بكل تعقيداته ومؤسساته وأجياله لم يكن سوى مقدمة غير شرعية لمرحلة جديدة تُقدَّم بوصفها البداية الوحيدة المعترف بها...

لكن الدول لا تُبنى على محو ذاكرتها، ولا على شيطنة موظفيها، ولا على تجريد الناس من إنسانيتهم بسبب وظائف شغلوها في سياق دولة قائمة، فالدولة، أي دولة، تُبنى على الاعتراف بالاستمرارية، حتى حين يتم تغيير النظام السياسي جذرياً، أما تحويل الماضي الإداري إلى تهمة جماعية، فهو طريق سريع لتفكيك المجتمع بدل إعادة بنائه...

في النهاية:
 ليست المشكلة في تغيير السلطة أو سقوط نظام أو صعود آخر، بل في تحويل هذا التحول إلى أداة لإعادة تعريف البشر كـ”أخيار وأشرار” بناءً على موقعهم الوظيفي في لحظة سابقة. العدالة الحقيقية لا تبدأ من الإقصاء، بل من التمييز الدقيق بين المسؤولية الفردية والعمل المؤسسي، وبين السياسة كصراع وبين الدولة كإطار جامع لا يجوز اختزاله في لحظة انتصار أو هزيمة.