--:--
بريطانيا وفرنسا تضعان اللمسات الأخيرة على قيادة مهمة دولية لإزالة الألغام في مضيق هرمز

عندما يصبح الانتماء تهمة: "شهادة ضابط سوري متقاعد في مواجهة أحكام التعميم"

Salah Kirata • ٤‏/٦‏/٢٠٢٦

42824.png

عندما يصبح الانتماء تهمة: 
"شهادة ضابط سوري متقاعد في مواجهة أحكام التعميم"...

وصلني تعليق من أحد ضباط الجيش العربي السوري المتقاعدين، ولم أستطع أن أمر عليه مروراً عابراً، لم يكن تعليقاً سياسياً ولا بياناً دفاعياً ولا محاولة لتبرير مرحلة من تاريخ البلاد، بل كان صرخة إنسانية لرجل أمضى ثلاثين عاماً من عمره في الخدمة العسكرية، ثم وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام، لا بسبب فعل ارتكبه، ولا جريمة اقترفها، ولا مال نهبه، بل بسبب الانتماء الطائفي الذي وُلد فيه...

يقول الرجل إنه خدم ثلاثين عاماً ضابطاً منضبطاً، ويشهد الله ومن عرفه أنه لم يمد يده إلى مال أحد، ولم يظلم إنساناً، ولم يشارك في قتل أو سرقة أو فساد. وبعد انتهاء خدمته العسكرية، لم يخرج بثروة، ولم يمتلك القصور والمزارع والحسابات المصرفية، بل يؤكد أنه خلال الأشهر التي تلت تقاعده كان يعتمد على ما توفره أرضه من رزق ليؤمن خبزه وقوت أسرته...

قد يختلف الناس في السياسة، وقد تختلف آراؤهم حول الدولة والسلطة والجيش والأحداث التي مرت بها سوريا خلال العقود الماضية، لكن ثمة مبدأ أخلاقي لا يجوز التخلي عنه مهما اشتدت الخصومات: المسؤولية فردية وليست جماعية، فلا يمكن أن يتحول ملايين البشر إلى متهمين فقط لأنهم ينتمون إلى طائفة أو منطقة أو جماعة اجتماعية معينة. ولا يمكن أن يصبح كل من ارتدى البزة العسكرية مجرماً بحكم الوظيفة، كما لا يمكن اعتبار كل موظف في الدولة فاسداً بحكم موقعه...

إن أكثر ما يلفت الانتباه في كلمات هذا الضابط ليس حديثه عن نفسه، بل حديثه عن أبنائه، فهو لا يتفاخر بنفوذ ولا بسلطة ولا بامتيازات حصل عليها، وإنما يتحدث بفخر الأب الذي ربى أبناءه من عرق جبينه. ستة أبناء، بين طبيب ومهندس ومدرس، أطعمهم وعلّمهم وكساهم ورباهم حتى أصبحوا أفراداً منتجين في مجتمعهم. هذا هو الإنجاز الذي يراه جديراً بالاعتزاز بعد عمر طويل من الخدمة والعمل...

من المؤلم أن يصل الحال برجل في هذه المرحلة من عمره إلى أن يضطر للدفاع عن نزاهته الشخصية أمام اتهامات جماعية لا تستند إلى دليل فردي، ومن المؤلم أكثر أن يجد نفسه مطالباً بإثبات أنه لم يسرق ولم يقتل ولم يفسد، فقط لأن البعض قرر أن يختصر البشر في هوياتهم الطائفية لا في أفعالهم...

لقد دفعت سورية أثماناً باهظة بسبب منطق التعميم والكراهية، وعندما يتحول الانتماء الديني أو المذهبي إلى تهمة جاهزة، فإن الظلم لا يصيب فرداً واحداً فقط، بل يصيب فكرة العدالة نفسها، فالعدالة الحقيقية لا تسأل الإنسان أولاً عن طائفته، بل عن أفعاله، لا تسأل أين ولد، بل ماذا فعل. لا تحاسبه على هوية ورثها، بل على مسؤولية اختارها...

إن محاسبة المجرمين واجب، وملاحقة الفاسدين ضرورة، وإنصاف الضحايا حق لا يجوز التهاون فيه، لكن العدالة التي نبحث عنها جميعاً لا يمكن أن تقوم على الانتقام الجماعي، ولا على تحميل الأبرياء أوزار المذنبين. فكما لا يجوز تبرئة شخص بسبب انتمائه، لا يجوز أيضاً إدانته بسبب الانتماء نفسه...

كلمات هذا الضابط تذكرنا بحقيقة كثيراً ما تضيع وسط الضجيج وهي:
 هناك آلاف السوريين الذين عاشوا حياتهم موظفين وعسكريين ومعلمين وعمالاً ومزارعين، أدوا وظائفهم وعادوا إلى بيوتهم دون أن يشاركوا في ظلم أو فساد، بعضهم كان سنياً، وبعضهم علوياً، وبعضهم مسيحياً أو درزياً أو إسماعيلياً، وما يجمعهم أنهم مواطنون بسطاء يريدون أن يُحكم عليهم وفق سيرتهم وأعمالهم لا وفق الأسماء التي يحملونها أو البيئات التي جاؤوا منها.

لقد أخطأت أنظمة وحكومات وأجهزة وأفراد عبر التاريخ، لكن الخطأ الأكبر يقع عندما ننتقل من محاسبة المسؤولين إلى إدانة الجماعات بأكملها، فالدول تُبنى بالقانون لا بالثأر، وتُدار بالعدالة لا بالتصنيفات المسبقة، وما من أمة استطاعت تجاوز جراحها إلا حين فرّقت بين الجاني والبريء، وبين المسؤول وغير المسؤول، وبين من أجرم ومن لم يفعل...

لذلك فإن الرسالة الأهم التي حملها هذا التعليق ليست الدفاع عن شخص واحد، بل الدفاع عن مبدأ أساسي لبناء أي مستقبل سليم لسورية:
 لا عدالة بلا فردية المسؤولية، ولا مصالحة بلا إنصاف، ولا دولة قانون إذا تحولت الهويات الجماعية إلى لوائح اتهام جاهزة...

أما هذا الرجل الذي أمضى ثلاثين عاماً في الجيش، ثم عاد إلى أرضه يزرعها ويقتات من خيرها، ويفتخر بأبنائه الذين علمهم من تعب عمره، فإنه يستحق على الأقل أن يُنظر إليه بوصفه إنساناً له قصة وحياة وجهد وكفاح، لا بوصفه رقماً في معادلة الكراهية الجماعية. فالإنصاف يبدأ حين نرى الإنسان قبل الطائفة، والسيرة قبل الهوية، والحقيقة قبل الأحكام المسبقة...

وربما كان أصدق ما في رسالته أنه لم يطلب امتيازاً، ولم يطالب بمنصب، ولم يلتمس شفقة من أحد، كل ما أراده أن يُعامل كمواطن وكإنسان، وأن يُحاكم على ما فعل لا على ما يُنسب إليه. وهذا، في جوهره، ليس مطلب ضابط متقاعد فحسب، بل مطلب كل إنسان يؤمن بأن العدالة لا تكتمل إلا عندما يكون ميزانها واحداً للجميع.