
عندما يتحول التأويل إلى إسقاط
ثمة خيط رفيع يفصل بين الفهم الحقيقي وبين إعادة تشكيل المعنى وفق الرغبة. في كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في اختلاف وجهات النظر، بل في غياب الجهد الصادق لالتقاط المعنى كما هو قبل القفز إلى تفسيره أو الحكم عليه.
القراءة ليست عملية ميكانيكية، بل فعل مسؤولية يتطلب انتباهًا للسياق، ولغة النص، ونوايا صاحبه. وعندما يغيب هذا الانتباه، يظهر نوع آخر من التفاعل يمكن وصفه بالإسقاط: حيث لا يُقرأ المعنى بقدر ما يُعاد إنتاجه وفق تصورات مسبقة. هنا، لا يعود النص حاضرًا بقدر ما تصبح أهواء القارئ هي المتحكمة.
هذا التحول من الفهم إلى الإسقاط ليس بريئًا دائمًا. أحيانًا يكون نتيجة استعجال، وأحيانًا نتيجة موقف مسبق يبحث عمّا يؤكده، حتى لو تطلب الأمر ليّ المعنى أو اجتزائه. وفي كلتا الحالتين، تتضرر العلاقة الأساسية بين القارئ والفكرة، لأنها تقوم على افتراض لم يُختبر: أن ما فُهم هو بالفعل ما قيل.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط لا يقتصر على النصوص، بل يمتد إلى فهم الأشخاص أنفسهم. حين يُساء تفسير الكلام، يُساء تفسير صاحبه، فتُبنى مواقف على صورة غير دقيقة، وربما غير موجودة أصلًا. وهنا يتحول سوء الفهم من خلل معرفي إلى مشكلة تواصل حقيقية.
في النهاية، لا يكفي أن نقرأ، بل يجب أن نحسن القراءة. فالفهم ليس ترفًا، بل شرطًا لأي نقاش جاد، وأي محاولة لتجاور فكري لا يقوم على إسقاط أو تشويه.