
عندما يُختزل الدم إلى هوية… كيف نخسر العدالة ونخسر المجتمع معًا؟
تأتي بعض الجرائم في حياة الشعوب كصفعاتٍ قاسية توقظ الوجدان الإنساني كله. لا يختلف اثنان على أن ما حدث مع الطبيبة رانيا العباسي وأطفالها في دمشق عام 2013 كان من أكثر الوقائع التي هزّت الضمير العام، ليس فقط لبشاعته، بل لأن الضحايا فيه كانوا في قلب البراءة المطلقة: أطفال في عمرٍ كان يُفترض أن يكون بعيدًا عن كل أشكال العنف والسياسة والاقتتال.

لقد جاءت تلك الحادثة في سياق مرحلة مضطربة من الحرب السورية، حيث توسعت الاعتقالات، وتداخلت الأجهزة، وتكاثفت الانتهاكات التي وثّقتها لاحقًا جهات حقوقية متعددة، لتصبح واحدة من أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا في تاريخ تلك السنوات. ومع الوقت، تحولت هذه الواقعة إلى رمز للذاكرة الجريحة، وإلى سؤال مفتوح عن مصير مئات الحالات المشابهة التي بقيت تفاصيلها غامضة أو غير مكتملة.

لكن الخطورة لا تكمن فقط في الجريمة ذاتها، بل في الطريقة التي يُعاد بها توظيفها داخل الوعي الجمعي. فبدل أن تبقى هذه المأساة في إطارها الطبيعي: فعلًا إجراميًا يُحاسب عليه مرتكبوه أفرادًا، تبدأ عملية انزلاق خطيرة نحو تعميم الألم على جماعة بشرية كاملة، وكأن الهوية تصبح مسؤولية جنائية، وكأن الانتماء يتحول إلى تهمة جاهزة.

وهنا يختل أحد أهم أسس العدالة في التاريخ الإنساني، وهو مبدأ أن المسؤولية فردية، وأن الإنسان لا يُدان بما لم يرتكبه، ولا يُحاسَب على انتماء وُلد فيه. هذا المبدأ ليس مجرد قاعدة قانونية، بل هو الحد الفاصل بين دولة القانون وبين مجتمع الانتقام.
حين تتحول الجريمة إلى حكم جماعي، لا يعود هناك فرق بين مذنب وبريء، بل يصبح الجميع في دائرة الاشتباه. وعندها تبدأ البنية الاجتماعية بالتآكل بصمت: تتفكك الثقة، يُعاد تشكيل العلاقات على أساس الخوف، وتتحول الذاكرة المشتركة إلى ساحة صراع دائم. لا يعود السؤال: ماذا حدث ومن المسؤول؟ بل يصبح: من أنت؟ وهذا التحول وحده كفيل بتدمير أي إمكانية للعيش المشترك.
إن المجتمعات بطبيعتها ليست كيانات متجانسة، بل فسيفساء بشرية معقدة، فيها من كل طيفٍ لون، ومن كل اتجاه تجربة. فيها الصالح والطالح، العادل والمخطئ، الضحية والجاني. واختزالها في صورة واحدة هو تبسيط مُخلّ لا يفسر الواقع بل يزيفه، ويحوّل الألم إلى أداة تقسيم بدل أن يكون دافعًا للعدالة.
العدالة الحقيقية تُختبر في لحظات الانفعال لا في لحظات الهدوء. فإما أن نصمد أمام إغراء التعميم، ونبقي المسؤولية حيث يجب أن تكون: عند الفاعل، أو ننزلق نحو منطق الإدانة الجماعية، حيث تُمحى الحدود بين الفرد والمجموعة، وتُفتح أبواب لا تنغلق من الكراهية المتبادلة.
إن أخطر ما تفعله المآسي أنها يمكن أن تعيد تشكيل وعي الناس، إما نحو بناء قانوني وأخلاقي أكثر صلابة، أو نحو تفكك كامل للمعايير. وفي الحالة الثانية، لا تكون النتيجة عدالة، بل دوامة طويلة من الثأر المتبادل الذي لا يتوقف عند حد.
في النهاية، لا يُبنى وطن على ذاكرة الاتهام الجماعي، بل على شجاعة التفريق بين الجريمة ومن ارتكبها. بين الألم الذي يستحق العدالة، وبين الألم الذي يُحوَّل إلى سلاح ضد الجميع. فإما أن نحافظ على هذا الخط الرفيع مهما كان الألم فادحًا، أو نسمح له بالانهيار، فنجد أنفسنا جميعًا في دائرة لا تنتهي من الإدانة المتبادلة… حيث لا يبقى وطن، بل مجرد ذاكرات متناحرة تبحث عن عدو دائم.