
انكسار النخبة في مرآة الفراغ الثقافي
في لحظات معينة يبدو المكان وكأنه كائن حيّ يتمدد بلا حدود، لكنه في الحقيقة لا يتسع إلا ليكشف ضيق من يسكنه. في تلك الأمكنة التي يُفترض أنها تجمع ما تبقى من طبقات الوعي والذائقة، يتبدّى مشهد مزدوج: قلة تحاول التمسك بما تبقى من معنى الثقافة كفعل مقاومة، وكثرة تتحرك داخل قشرة من المظهر الاجتماعي لا تمتّ إلى الفكر بصلة حقيقية.
داخل هذه الدوائر الضيقة من "النخبة" المزعومة، لا يكون الحضور دائماً حضوراً كاملاً. فبعض الوجوه تبدو كأنها خرجت من نصوص لم تكتمل، عالقة بين ما أرادته لنفسها من مكانة وما انتهت إليه فعلياً من اغتراب داخلي. وآخرون يبدون أكثر اكتمالاً شكلياً، لكنهم في العمق أشبه بتركيبات لغوية أنيقة بلا مضمون، يعرفون كيف يتحدثون عن الفكر دون أن يمارسوه، وكيف يصفون الأدب دون أن يلامسوه.
خارج هذه الحلقة، يتسع المشهد ليكشف طبقات أكثر قسوة. الناس هناك ليسوا أقل تعقيداً، لكنهم أكثر صدقاً في انكشافهم. فالتعب الاجتماعي، والتشوهات النفسية، وتآكل العلاقات، ليست مجرد مظاهر فردية، بل نتائج مباشرة لبنية ثقافية واقتصادية جعلت الإنسان يعيش على هامش المعنى. هنا يصبح "الفشل" ليس حالة فردية بل نظاماً عاماً لإنتاج الاغتراب.
المفارقة المؤلمة أن ما يُفترض أنه قمة الهرم الثقافي لا يبدو أقل هشاشة من قاعدته. فحين يُختزل الوعي في مظاهر اجتماعية، وتُستبدل المعرفة بالتظاهر بالمعرفة، يتحول المثقف إلى كائن وظيفي، يؤدي دوراً لغوياً في مشهد لا يؤمن أصلاً بفكرة المعنى. وقد أظهرت دراسات في علم الاجتماع الثقافي أن المجتمعات التي تفقد صلتها العميقة بالإنتاج الفكري الحقيقي، تعيد إنتاج طبقاتها الرمزية بشكل زائف، بحيث يصبح "المثقف" مجرد موقع اجتماعي لا حالة وعي.
في هذا السياق، لا يعود السؤال: من في الأعلى ومن في الأسفل؟ بل هل ما زال هناك "أعلى" و"أسفل" بالمعنى القيمي أصلاً، أم أننا أمام تسوية شاملة للمعنى، حيث تتساوى الادعاءات المختلفة في سطحيتها، وإن اختلفت أشكالها؟
عند هذه النقطة تحديداً، يشعر الفرد الذي ما زال يحتفظ بحساسية تجاه الفكرة والمعنى أنه غريب عن المشهد كله، كأنه ينتمي إلى زمن آخر لم يعد له امتداد فعلي في الحاضر. هذا الإحساس بالاغتراب ليس بطولة فردية، بل عرض من أعراض انهيار المرجعيات الثقافية الجامعة، حيث يصبح كل فرد جزيرة منفصلة، حتى داخل أكثر التجمعات ازدحاماً.
الانسحاب في مثل هذا السياق لا يكون هروباً، بل شكلاً من أشكال النجاة الرمزية. فالبقاء داخل مشهد فقد توازنه بين الشكل والمضمون يعني التآكل البطيء للقدرة على التمييز. ولذلك، يصبح الصمت أو الابتعاد أحياناً موقفاً معرفياً بقدر ما هو موقف نفسي، محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من نقاء الرؤية وسط ضجيج متشابه لا يترك فرقاً بين الحقيقة وتمثيلها.
في النهاية، ليست المشكلة في انحدار "الآخرين" كما يبدو للوهلة الأولى، بل في انهيار الفواصل التي كانت تمنح للمعنى درجاته، وللثقافة وظيفتها، وللإنسان موقعه داخل خريطة أكثر اتساقاً. وحين تتآكل هذه الفواصل، لا يبقى سوى فضاء رمادي واسع، يتحرك فيه الجميع دون أن يقترب أحد فعلياً من أي معنى حقيقي.