
عنوان الرواية: “ظلال الانقلاب”
في صباح 23 شباط/فبراير 1966، كان شارع أبو رمانة في دمشق هادئاً نسبياً، لكن الهدوء كان يخفي عاصفة قادمة. منزل الفريق محمد أمين الحافظ، رئيس مجلس الرئاسة، الواقِع قرب ساحة أبو العلاء المعري، كان هدفاً لقوات مجهزة ومدربة على قلب السلطة رأساً على عقب.
الضابط سليم حاطوم، قائد كتائب المغاوير، قاد الهجوم بدقة عسكرية باردة، مدعوماً بقوة صغيرة من سرايا الدفاع التي أنشأها حافظ الأسد لضمان ولاء العسكر لخطه. الهجوم كان عنيفاً: القذائف الثقيلة تنهال على المنزل، والدخان يغطي السماء، وأصوات الرصاص تقطع الهواء. قوات الهجانة حاولت الدفاع، فيما وصل اللواء سبعين متأخراً إلى المشهد. بعد ساعات من القتال العنيف، استسلم أمين الحافظ، لكن الهجوم لم يخلُ من الدماء؛ فقد أصيبت ابنته في عينها، وخلفت المعركة عشرات القتلى والجرحى، لتصبح تلك اللحظة أعنف انقلاب في تاريخ سورية الحديث حتى ذلك الوقت، من بين 27 انقلاباً شهدتها البلاد خلال العقود السابقة.
خلف أبواب دمشق القديمة، في حي البياضة، كانت نشأة الحافظ: ولد عام 1921 وسط أسرة محافظة، حيث لعب كطفل بين أزقة الحي العريق، يلقبونه منذ صغره “أبو عبدو”، ومن شدة عناده وصرامته أطلق عليه رفاقه لقباً ساخرًا لكنه ظل مرافقاً له مدى الحياة: “أبو عبدو الجحش”. هذا العناد، وهذه الروح الصلبة، شكّلت أساس شخصيته العسكرية والسياسية لاحقاً.
درس الحافظ في مدارس حلب، حيث عشق الأدب الجاهلي، وتأثر ببطولات عمرو بن كلثوم، عنترة بن شداد، وامرؤ القيس، فربما زرعت فيه هذه القراءات الحنين إلى البطولة العربية والعزيمة الصلبة التي ستنعكس على مواقفه في السياسة والحرب. التحق بالكلية الحربية، وتخرج عام 1946 ضابطاً شاباً، وشارك في حرب فلسطين 1948، حيث تشرب روح الانضباط العسكري والالتزام بالقيادة.
مع الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، كان الحافظ ضمن 14 ضابطاً سافروا إلى القاهرة طالبين الوحدة الفورية، لكن التدخل المصري بقيادة المشير أحمد عمَّر أبعد معظمهم، وأُرسل الحافظ ملحقاً عسكرياً في الأرجنتين، بعيداً عن صراعات القاهرة. عند عودة البعث إلى الحكم بانقلاب مارس 1963، تم استدعاؤه وتعيينه وزيراً للداخلية، ثم رئيساً للدولة، حيث تولى منصبه حتى أوائل عام 1966.
لكن خلف الكواليس، كانت القوى الحقيقية تتشكل. صلاح جديد، الأمين العام السابق للجيش، وحافظ الأسد، قائد القوة الجوية، كانا يخططان للإطاحة بالحافظ منذ أشهر. دوافعهم لم تكن شخصية فقط، بل كانت مرتبطة بالسيطرة على الجيش وأدوات الدولة. الحافظ الأسد، الذي سيصبح لاحقاً قائداً لكل سوريا، رأى في قائد الدولة الحالي عقبة أمام نفوذه، وبدأ بتنسيق الهجوم عبر كتائب المغاوير وسرايا الدفاع الخاصة به، بينما كان صلاح جديد يُنظم الدعم داخل القيادة العسكرية والسياسية.
رأس حربة الهجوم كان الرائد سليم حاطوم، الذي أبدع في تنفيذ العملية بدقة، ليصبح رمزا لعنفوان الانقلاب، قبل أن يسقط لاحقاً في حسابات جديدة للنظام؛ إذ أُعدم لاحقاً بعد تثبيت سلطة حافظ الأسد، في سلسلة تصفيات استهدفت أولئك الذين قد يهددون السلطة الجديدة، سواء كانوا شركاء في الانقلاب أو منافسين محتملين.
الهجوم على منزل الحافظ لم يكن مجرد انقلاب عسكري، بل كان إعلان ولادة مرحلة جديدة في سورية: ولادة السلطة الفردية، التي ستترسخ لاحقاً عبر سلسلة من الإجراءات السياسية والعسكرية المحكمة التي أدارها حافظ الأسد بذكاء شديد، مع الاعتماد على الولاء الشخصي للمجموعات العسكرية المجهزة بشكل مباشر له، وعلى رأسها سرايا الدفاع.
بعد الانقلاب، غادر الحافظ سوريا في عام 1967 إلى لبنان، ومنها إلى العراق في 1968، حيث عاش بعيداً عن الأحداث حتى وفاته عام 2003، تاركاً خلفه صفحة دامية في تاريخ الانقلابات السورية، ومرآة صادقة لقوة الطموح والدهاء العسكري الذي شكل مرحلة طويلة من تاريخ البلاد الحديث.