
عصام البويضاني بين الوقائع والاتهامات: من قائد جيش الإسلام إلى أسئلة المرحلة الانتقالية؟!.
عندما يُذكر اسم عصام البويضاني، فإن الذاكرة السورية لا تستحضره كشخص عابر في مشهد الحرب، بل كأحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بواحدة من أكثر الفصائل إثارةً للجدل في سنوات الصراع: جيش الإسلام. وبين من يراه قائداً عسكرياً فرضته ظروف الحرب، ومن يعتبره مسؤولاً مباشراً عن مرحلة سوداء من تاريخ الغوطة الشرقية، يبقى اسمه محاطاً بكمّ هائل من الوقائع المؤكدة والاتهامات الثقيلة التي لم تُحسم كلها قضائياً حتى اليوم.
من الناحية الثابتة، لا خلاف على أن البويضاني تولى قيادة جيش الإسلام بعد مقتل زهران علوش في أواخر عام 2015، في لحظة كانت الغوطة الشرقية تعيش فيها ذروة الحصار والاستنزاف. انتقال القيادة لم يكن مجرد تبديل أسماء، بل كان انتقالاً لمرحلة كاملة، حيث ورث البويضاني تنظيماً عسكرياً ضخماً له نفوذ واسع وسلطة فعلية على الأرض، بما يتجاوز حدود العمل العسكري إلى التحكم بالحياة المدنية والسياسية داخل دوما ومحيطها.
وفي عام 2018، ومع سقوط الغوطة الشرقية واتفاقات الإجلاء التي أنهت الوجود العسكري للمعارضة هناك، خرج البويضاني مع قادة وعناصر جيش الإسلام إلى الشمال السوري، كما خرج غيره من قادة الفصائل. هناك، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بالتنافس الحاد بين الفصائل المسلحة، وبرزت خلافات واضحة بين جيش الإسلام وهيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، خاصة حول النفوذ والمرجعية السياسية والعسكرية. وفي هذا السياق، اقترب جيش الإسلام من الفصائل المنضوية ضمن ما يسمى الجيش الوطني المدعوم تركياً، وإن لم يكن الأمر مجرد انتقال تنظيمي بسيط كما يروّج البعض.
أما الحديث عن انتقاله لاحقاً إلى تركيا ثم إلى الإمارات، فهو متداول بكثرة في الأوساط السورية، لكنه يظل ضمن الأخبار غير المؤكدة رسمياً بشكل قاطع، إذ لم تصدر وثائق علنية حاسمة تثبت تفاصيل إقامته وتحركاته اللاحقة بصورة نهائية.
لكن جوهر الجدل الحقيقي حول البويضاني لا يتعلق فقط بمساره العسكري، بل بالاتهامات الأخطر المرتبطة بسجل جيش الإسلام نفسه، وعلى رأسها قضية اختطاف رزان زيتونة ورفاقها في دوما عام 2013. رزان، التي كانت أحد أبرز الأصوات الحقوقية السورية، اختفت مع سميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي في حادثة بقيت حتى اليوم جرحاً مفتوحاً في الضمير السوري. كثير من الناشطين والمنظمات الحقوقية وجّهوا أصابع الاتهام إلى جيش الإسلام، باعتباره القوة المهيمنة في دوما آنذاك، لكن لم يصدر حتى الآن حكم قضائي علني ونهائي يثبت مسؤولية شخصية مباشرة لعصام البويضاني عن إصدار أمر الخطف أو القتل. هنا يجب الفصل بين الاقتناع السياسي الواسع وبين الإثبات القضائي الصارم، لأن العدالة لا تُبنى على الانطباعات وحدها مهما كانت قوية.
كذلك الأمر بالنسبة للاتهامات المتعلقة بالتعاون مع النظام السوري، أو بيع أسلحة ودبابات له عبر شبكات مصالح معقدة داخل الغوطة. هذه الروايات انتشرت كثيراً، خصوصاً في سياق الخصومات بين الفصائل المسلحة، لكن معظمها بقي في دائرة الاتهام السياسي والتخوين المتبادل، دون وثائق منشورة وحاسمة تثبت بشكل مباشر أن البويضاني شخصياً أدار مثل هذه الصفقات.
في تقديري، المشكلة في الحالة السورية أن كثيراً من الشخصيات تحولت إلى أحكام نهائية قبل أن تتحول إلى ملفات قضائية مكتملة. وهذا لا يعني تبرئة أحد، بل يعني أن التاريخ يجب أن يُكتب بالوثيقة لا بالغضب وحده، وبالتحقيق لا بالشائعة، حتى لو كانت الشائعة شديدة الانتشار.
أما السؤال المطروح اليوم حول ما إذا كان عصام البويضاني قد عاد إلى دمشق لتولي منصب رسمي ضمن الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، فلا توجد حتى الآن معطيات موثقة وعلنية تؤكد ذلك بشكل رسمي. لا يوجد إعلان حكومي واضح، ولا قرار منشور يثبت توليه منصباً رسمياً داخل مؤسسات الدولة الانتقالية. وقد يكون سبب تداول هذه الرواية هو طبيعة التحولات الجارية، ومحاولات بعض الأطراف إعادة تموضع شخصيات عسكرية وسياسية من مراحل سابقة، لكن حتى اللحظة لا يمكن التعامل مع هذا الأمر كحقيقة ثابتة.
ورأيي الشخصي أن أي انتقال من العمل الفصائلي المسلح إلى العمل السياسي الرسمي لا يمكن أن يتم بالقفز فوق ملفات العدالة والمساءلة. لا يكفي أن تتغير الألقاب من “قائد عسكري” إلى “مسؤول حكومي”، ما لم يسبق ذلك كشف واضح للحقيقة ومحاسبة شفافة عن كل ما ارتُكب بحق السوريين، سواء من النظام أو من المعارضة المسلحة أو من أي طرف آخر. الدولة لا تُبنى بتبييض الصفحات، بل بفتحها كاملة أمام الناس.
ولهذا، فإن اسم عصام البويضاني سيبقى، بالنسبة لكثير من السوريين، ليس مجرد اسم شخص، بل عنواناً لسؤال أكبر: هل يمكن لسوريا الجديدة أن تقوم على المصالحة مع الحقيقة، أم على دفنها تحت مسميات المرحلة الانتقالية؟ هذا هو الامتحان الحقيقي، وليس فقط اسم من يجلس على كرسي السلطة.