
أسئلة لم تُجب… بين الشعارات وحقائق الواقع
قلتُ في عشرات اللقاءات خلال العدوان الإسرائيلي على غزة أن شعبنا الفلسطيني في القطاع كان قد خُدع، وغُدر به؛ خُدع من إيران، وغُدر من العرب. لم يكن هذا توصيفًا عابرًا، بل نتيجة قراءة متأنية لسنوات طويلة من الخطاب السياسي، مقابل سلوك ميداني لم يرتقِ إلى مستوى الشعارات التي رُفعت باسم “المقاومة” و”وحدة الساحات”.
اليوم، ومع تصاعد الأسئلة في الشارع العربي، يبقى السؤال الأهم، الذي لا يستطيع كل مناصري هذا المحور الإجابة عليه بوضوح وصدق: أين كانت صواريخ إيران العنقودية والانشطارية عندما كانت غزة تُحرق وتُباد؟ أين كانت تلك الترسانة التي يُروّج لها على أنها قادرة على قلب موازين المنطقة؟ ولماذا لا تظهر إلا في سياقات محددة، وبحسابات دقيقة، وكأنها جزء من لعبة ضبط إيقاع لا من معركة تحرير؟
ثم ننتقل إلى الجنوب اللبناني، حيث تتكرر مشاهد إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مشاهد تُقدَّم كدليل على “وحدة الساحات”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تظهر هذه الوحدة في جبهات انتقائية، وتتوارى عندما تكون غزة وحدها تحت النار؟ لماذا لا تتحول هذه الجبهات إلى ضغط حقيقي متزامن عندما يحتاج الفلسطينيون إلى دعم فعلي يخفف عنهم وطأة الحصار والقصف؟
وفي العراق، تتكرر مشاهد الطائرات المسيّرة التي تستهدف أربيل، ومطار بغداد، والقواعد الأمريكية. لكن هذه الفاعلية، بكل ما تحمله من قدرة تقنية وتنظيمية، لماذا لا تُستثمر في دعم شعب يُحاصر ويُباد على مرأى العالم؟ أين كانت هذه المسيرات عندما كان المدنيون في غزة يواجهون آلة الحرب وحدهم؟
وهنا يعود السؤال الجوهري: أين كانت “وحدة الساحات” عندما كان الدم الفلسطيني يُسفك بلا هوادة؟ أين كانت تلك الشعارات الكبرى التي تُرفع اليوم في الخطاب الإعلامي والسياسي؟ هل كانت فلسطين حقًا في قلب هذا المشروع، أم أنها كانت مجرد عنوان يُستخدم لتبرير حضور إقليمي أوسع؟
لقد بدا واضحًا، مع مرور الوقت، أن “محور المقاومة” – كما يُسمى – لم يكن في جوهره مشروعًا لتحرير فلسطين بقدر ما كان أداة سياسية لتثبيت نفوذ إقليمي، وتوسيع دوائر التأثير. في هذا السياق، تتحول القضية الفلسطينية إلى ورقة تفاوض، وشعار تعبوي، أكثر منها التزامًا عمليًا ثابتًا.
الشعوب لا تقاس بما يُقال عنها، بل بما يُقدَّم لها في لحظات الشدة. وغزة، في أحلك لحظاتها، لم تجد ما يكفي من الدعم الحقيقي الذي يُغيّر المعادلة. ما وجدته كان خطابات، ووعودًا، وصورًا إعلامية، بينما بقيت وحدها في الميدان.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط غياب الفعل، بل التناقض بين الخطاب والواقع. فحين تُرفع شعارات “تحرير فلسطين” في العلن، بينما تُدار السياسات وفق حسابات إقليمية ضيقة، فإن الثقة تتآكل، والمصداقية تتراجع، وتتحول القضية إلى أداة لا قضية.
ليس الهدف من هذه الأسئلة التشكيك لأجل التشكيك، بل وضع الأمور في نصابها الصحيح. ففلسطين ليست بحاجة إلى شعارات إضافية، بل إلى موقف صادق، وإلى دعم لا يخضع لمعادلات المصالح الضيقة. والشعب الفلسطيني، الذي دفع أثمانًا لا تُحصى، يستحق أن يُعامل كقضية مركزية، لا كعنوان يُستحضر عند الحاجة ويُغيب عند الحساب.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا: أن فلسطين دفعت، وما زالت تدفع، ثمنًا باهظًا في معادلة إقليمية معقدة، حيث تختلط الشعارات بالمصالح، وتُختزل القضايا الكبرى في حسابات النفوذ. والسؤال سيبقى معلقًا، حتى يأتي يوم يُجاب فيه بالفعل لا بالقول: أين كانت كل هذه القوة عندما كانت غزة وحدها؟