--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

“استعدنا لبنان”… إعلان ما بعد الحرب أم إعادة تعريف للدولة

Salah Kirata • ١٧‏/٤‏/٢٠٢٦

23290.jpg

 “استعدنا لبنان”… إعلان ما بعد الحرب أم إعادة تعريف للدولة؟

في لحظة مشحونة بظلال حرب إقليمية واسعة، قال رئيس الجمهورية في إن بلاده “استُعيدت للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن”، وإنها “لم تعد ورقة في جيب أحد ولا ساحة لأحد”. جملة قصيرة في ظاهرها، لكنها تنتمي إلى نوع من الخطاب الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى إعادة تشكيل معناه.

في الخطابات السياسية للدول الخارجة من الحروب، نادرًا ما تكون الكلمات محايدة. فـ”الاستعادة” هنا ليست توصيفًا إداريًا لمسار إصلاح داخلي، بل إعلانًا ضمنيًا عن نهاية مرحلة كاملة من تعريف الدولة نفسها داخل الإقليم. دولة كانت تُقدَّم – في السردية السياسية الشائعة – كساحة تقاطع نفوذ، تُقال الآن إنها استعادت مركزها. لكن السؤال الذي تتهرب منه اللغة عادة هو: أي مركز تحديدًا، وبأي شروط؟

لا يمكن فصل هذا التصريح عن السياق الذي تلا حربًا مدمرة امتدت تداعياتها إلى خارج الحدود اللبنانية، وانخرط فيها ضمن معادلات إقليمية أوسع، تقاطعت فيها حسابات الردع بين من جهة، و و من جهة أخرى. وفي مثل هذه الحروب، لا تنتهي المواجهة عند وقف النار، بل تبدأ مرحلة أشد تعقيدًا: إعادة هندسة التوازنات التي أنتجت الحرب نفسها.

من هنا، تصبح عبارة “لم نعد ورقة في جيب أحد” أكثر من مجرد استعارة سياسية. إنها محاولة لنفي تاريخ طويل من استخدام لبنان كمساحة نفوذ مفتوحة، حيث تتقاطع الرسائل الإقليمية، وتُدار الصراعات بالوكالة، وتُعاد صياغة موازين القوى الداخلية على إيقاع الخارج. غير أن نفي هذا الدور لا يعني بالضرورة اختفاءه، بل قد يشير إلى إعادة تنظيمه ضمن قواعد جديدة أقل فوضوية وأكثر ضبطًا.

في هذا الإطار، تبدو اللغة أقرب إلى إعلان انتقال من “لبنان الساحة” إلى “لبنان المُعاد تموضعه”. انتقال لا يُفترض أن يُفهم كقطيعة كاملة مع الماضي، بل كإعادة تعريف لشكل الحضور الخارجي في الداخل اللبناني، وحدود هذا الحضور، وأدواته.

والأكثر حساسية في هذا الخطاب أنه يلامس – ولو بشكل غير مباشر – ملف القوة داخل الدولة. فكل حديث عن “استعادة الدولة” في السياق اللبناني يظل مرتبطًا بسؤال احتكار القوة الشرعية، وبمصير البنى العسكرية غير النظامية التي نشأت وتطورت في ظل الحروب المتعاقبة. وهنا يبرز اسم ليس كعنصر تفصيلي، بل كجزء من معادلة الدولة نفسها، سواء في مسار الدمج أو التنظيم أو إعادة التعريف.

لكن بين الخطاب والواقع، تبقى المسافة هي جوهر الإشكال. فالتاريخ اللبناني الحديث يُظهر أن التحولات الكبرى لا تُنجز دفعة واحدة، ولا تُحسم ببيانات سياسية، بل تتشكل عبر توازنات دقيقة داخل مؤسسات هشة، وفي بيئة إقليمية لا تزال قيد إعادة التشكل.

لذلك، يمكن قراءة هذا التصريح بوصفه إعلان بداية أكثر مما هو إعلان نهاية: بداية محاولة جديدة لإعادة تعريف لبنان، لا كدولة خرجت من النفوذ الخارجي بالكامل، بل كدولة تحاول إعادة ضبط هذا النفوذ وتقييده وإعادة هندسته.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا، وربما مقصودًا أن يبقى كذلك: هل نحن أمام لحظة “استعادة” فعلية للدولة، أم أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراع بصيغة أكثر هدوءًا وأشد تعقيدًا، حيث تتغير الأدوات لكن تبقى المعادلة قائمة؟

في الحالتين، يبدو أن لبنان لا يخرج من التاريخ، بل يعيد كتابة موقعه داخله.