
أوهام السقوط السريع… حين تتفوق الجغرافيا على التصريحات
في لحظات التصعيد العسكري الحاد، تتكاثر التوقعات السياسية كما تتكاثر الفقاعات في الماء المغلي. أصوات كثيرة ترتفع بثقة لافتة لتعلن أن نظاماً ما يوشك على الانهيار، وأن الأيام أو حتى الساعات كفيلة بطيّ صفحته. وتُرسم سيناريوهات جاهزة: تفكك داخلي، غضب شعبي، وانهيار مؤسساتي متسارع تحت وقع الضربات الخارجية. لكن التجربة، مرة بعد أخرى، تكشف فجوة واسعة بين خطاب التوقعات وبين منطق الواقع.
في الحالة الإيرانية، بدا هذا التناقض واضحاً بشكل خاص. فمع تصاعد الضغوط والعمليات العسكرية والاستهدافات المتكررة، لم يظهر مشهد الانهيار الذي توقعه كثيرون، بل برز نمط أكثر تعقيداً: مجتمع يختلف مع سلطته في جوانب عديدة، لكنه في لحظة الخطر الخارجي يعيد ترتيب أولوياته، فيتقدم شعور الدفاع عن الدولة على حساب الخلاف السياسي معها. هذه المفارقة تتجاهلها كثير من القراءات السطحية التي تفترض أن المعارضة الداخلية تتحول تلقائياً إلى اصطفاف مع أي قوة خارجية.
هذه ليست حالة استثنائية في التاريخ الحديث. فالتجارب الكبرى في العقود الأخيرة تقدم نمطاً متكرراً من سوء التقدير. في أفغانستان، لم تفضِ سنوات طويلة من التدخل العسكري إلى بناء دولة مستقرة كما رُوّج له في البداية، بل انتهت بانسحاب كشف حجم التعقيد الذي تم تجاهله. وفي العراق، أدى إسقاط الدولة المركزية إلى فراغ سياسي وأمني ما زالت تداعياته قائمة حتى اليوم، حيث تداخلت الهويات والانقسامات مع تدخلات خارجية متعددة. أما ليبيا، فقد تحولت بعد انهيار بنيتها السياسية إلى ساحة مفتوحة لتوازنات مسلحة ومشاريع متنافسة أكثر من كونها دولة مستقرة.
القاسم المشترك في هذه النماذج ليس فقط التدخل الخارجي، بل الفكرة المبالغ فيها بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إعادة تشكيل الدول والمجتمعات. وكأن البنية السياسية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها كما تُفكك الآلات، دون حساب للتماسك الاجتماعي، أو الذاكرة التاريخية، أو طبيعة المؤسسات.
في المقابل، تُظهر التجربة أن الدول، حتى عندما تتعرض لضغوط شديدة، لا تنهار بالسهولة التي يتخيلها البعض. فهناك دائماً طبقات أعمق من السلطة والمجتمع والجيش والبيروقراطية، تعمل كشبكة امتصاص للصدمات. وهذه الشبكات قد تضعف أو تتشقق، لكنها لا تختفي بمجرد ضربة أو حملة عسكرية مهما كانت دقتها.
المشكلة لا تكمن فقط في صانعي القرار، بل أيضاً في جزء من الخطاب التحليلي والإعلامي الذي تحول في كثير من الأحيان إلى مساحة لتكرار التوقعات الرغبوية بدل تقديم قراءة باردة للواقع. يتم أحياناً استبدال التحليل البنيوي للدول والمجتمعات بسرديات سريعة الإيقاع تبحث عن العناوين المثيرة أكثر مما تبحث عن الحقيقة.
لكن السياسة، في جوهرها، ليست اختباراً للنوايا ولا ساحة لتحقيق الأمنيات. هي توازنات معقدة، تتداخل فيها القوة مع الاقتصاد مع الهوية مع التاريخ. والدول لا تسقط لأن خصومها يعلنون سقوطها، بل حين تفقد من الداخل قدرتها على التماسك والاستمرار، وهي عملية غالباً ما تكون طويلة وبطيئة وليست لحظة مفاجئة.
ما يتكرر اليوم هو إعادة إنتاج لأخطاء قديمة: الاعتقاد بأن الضربة الحاسمة قادرة وحدها على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق تصورات جاهزة. لكن التجربة الممتدة في المنطقة تقول شيئاً مختلفاً تماماً: كل تدخل يقوم على فكرة “الحسم السريع” ينتهي عادة إلى تعقيد أكبر، واستقرار أقل، وكلفة بشرية وسياسية أعلى بكثير مما كان متوقعاً.
في النهاية، لا يبدو أن المشكلة في قراءة حدث واحد، بل في طريقة فهم المنطقة نفسها. فهناك ميل دائم لاختزال المجتمعات في لحظات غضب أو ضعف، وتجاهل قدرتها على إعادة إنتاج توازناتها الداخلية حتى تحت أقسى الظروف. وبينما تتبدل الخطابات وتتصاعد التوقعات، يبقى الواقع أكثر صلابة وتعقيداً من أي سردية جاهزة.