
أوروبا بين نارين كيف تنظر العواصم الأوروبية إلى الحرب بين واشنطن وتل أبيب وطهران؟:
مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجد أوروبا نفسها مرة أخرى أمام اختبار سياسي واستراتيجي بالغ الحساسية. فالقارة التي عاشت عقوداً طويلة تحت مظلة التحالف الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تحاول منذ سنوات بناء قدر من الاستقلالية السياسية، تبدو اليوم واقفة في منطقة رمادية بين التحالف مع واشنطن والخشية من الانجرار إلى حرب قد تدفع أوروبا ثمنها الأكبر.
من حيث المبدأ، يبدو موقف أقرب إلى الحذر منه إلى الاصطفاف الكامل. فالمؤسسات الأوروبية تدرك أن الحرب الدائرة ليست مجرد مواجهة عسكرية بعيدة جغرافياً، بل صراع يحمل في طياته تداعيات مباشرة على الأمن الأوروبي، وعلى الاقتصاد، وعلى استقرار الشرق الأوسط الذي يمثل بالنسبة لأوروبا فضاءً استراتيجياً بالغ الحساسية.
لذلك اختار الاتحاد الأوروبي، حتى الآن، أن يبقي موقفه في إطار سياسي ودبلوماسي يدعو إلى احتواء التصعيد وتجنب توسيع دائرة الحرب. فالعواصم الأوروبية تعلم جيداً أن أي توسع للصراع قد يفتح أبواب أزمات متشابكة، تبدأ بالطاقة ولا تنتهي عند الهجرة أو التوترات الأمنية.
لكن خلف هذا الموقف الأوروبي العام، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالاتحاد الأوروبي، كغيره من التكتلات السياسية، ليس كتلة صلبة متجانسة، بل فضاء واسع من المصالح والرؤى المختلفة.
في مثلاً، تحاول الدبلوماسية الفرنسية الحفاظ على تقليدها القديم في لعب دور الوسيط في أزمات الشرق الأوسط. باريس تدرك أن التصعيد العسكري قد يقضي نهائياً على أي فرصة لإحياء المسارات الدبلوماسية مع إيران، كما قد يهدد الاستقرار في منطقة تعد تقليدياً مجالاً لنفوذها السياسي.
أما ، فإن حساباتها تبدو أكثر براغماتية. فبرلين تنظر إلى الحرب من زاوية اقتصادية بالدرجة الأولى. ألمانيا، التي لا تزال تحاول التعافي من أزمات الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، تخشى أن يؤدي استمرار القتال إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط والغاز، بما قد يدفع الاقتصاد الأوروبي نحو ركود جديد ويعيد التضخم إلى مستويات مقلقة.
في المقابل، يبدو موقف أقرب إلى التماهي مع السياسة الأمريكية. فالعلاقة الخاصة بين لندن وواشنطن تجعل بريطانيا تميل إلى دعم سياسات الردع التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه إيران، مع إبقاء احتمال المشاركة العسكرية المحدودة قائماً إذا توسعت المواجهة.
وسط هذا المشهد الأوروبي المتباين، يبرز موقف مختلف نسبياً من . فمدريد اختارت أن تتخذ موقفاً أكثر وضوحاً في رفض الحرب والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية. ويقود هذا التوجه رئيس الحكومة الإسبانية الذي حرص على التأكيد أن التصعيد العسكري لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة العنف وعدم الاستقرار.
الموقف الإسباني لا ينطلق فقط من اعتبارات أخلاقية أو سياسية، بل أيضاً من قراءة واقعية لمصالح البلاد. فإسبانيا، كغيرها من الدول الأوروبية، تدرك أن أي اضطراب طويل في أسواق الطاقة أو التجارة الدولية سيترك أثره على اقتصادها وعلى مستويات التضخم فيها. ومع ذلك، فضلت مدريد التمسك بخيار سياسي يقوم على رفض الحرب والدفاع عن دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية في إدارة الأزمات.
وهنا تحديداً تتجلى المفارقة الأوروبية. فالقارة التي تدعو إلى التهدئة وتخشى من عواقب الحرب، تجد نفسها في الوقت ذاته مرتبطة بتحالفات عسكرية وسياسية تجعل قدرتها على التأثير في مجريات الصراع محدودة.
لذلك يمكن القول إن أوروبا تقف اليوم في موقع المراقب القلق أكثر من كونها لاعباً حاسماً. فهي تخشى أن تنتصر لغة السلاح على الدبلوماسية، وأن يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى الداخل الأوروبي نفسه.
وفي هذا السياق، يصبح الموقف الإسباني محاولة لتذكير أوروبا بأن صوتاً آخر لا يزال ممكناً داخل القارة: صوت يدعو إلى السياسة بدل الحرب، وإلى التوازن بدل الاصطفاف، وإلى البحث عن تسويات تاريخية بدل فتح جبهات جديدة في عالم يبدو أصلاً مثقلاً بالصراعات.