
أوروبا تبحث عن دور مباشر في مفاوضات أوكرانيا.. وبوتين يربط الحوار بشروط ميدانية
تتجه العواصم الأوروبية إلى إعادة تموضعها سياسياً في ملف الحرب الأوكرانية، بعدما شعرت بأن مسار التفاوض الجاري بين واشنطن وموسكو قد يفضي إلى ترتيبات كبرى تُفرض على القارة من دون مشاركة فعلية لها. وفي هذا السياق، بدأت بروكسل تلمّح بوضوح إلى استعدادها لفتح قناة اتصال مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، شرط توافر ظروف سياسية تسمح بتحويل تلك الاتصالات إلى مسار تفاوضي حقيقي.
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أوضح أن الاتحاد الأوروبي يناقش داخلياً شكل المشاركة الأوروبية المحتملة في أي تسوية مستقبلية للحرب، مؤكداً أن كييف لا تعارض هذا التوجه، بل تعتبره ضرورياً لضمان عدم تجاوز المصالح الأوكرانية والأوروبية في أي اتفاق مرتقب.
لكن التصريحات الأوروبية حملت في الوقت نفسه قدراً واضحاً من الحذر، إذ لا ترى بروكسل حتى الآن إشارات جدية من موسكو تدل على استعداد فعلي للدخول في مفاوضات شاملة تنهي الحرب. ويبدو أن الأوروبيين يدركون أن الكرملين ما زال يتعامل مع الميدان العسكري باعتباره الورقة الأساسية لتحسين شروطه السياسية قبل أي حوار.
داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، لا يزال الجدل قائماً حول طبيعة المبادرة المطلوبة: هل تُدار المفاوضات عبر شخصية أوروبية موحدة؟ أم عبر مجموعة دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا؟ كما تختلف التقديرات بشأن توقيت التواصل مع موسكو، خصوصاً أن بعض الحكومات الأوروبية تخشى أن يُفسَّر أي انفتاح سياسي على أنه تراجع عن الدعم العسكري لكييف.
في المقابل، تحاول أوكرانيا استثمار القلق الأوروبي من التهميش السياسي. الرئيس فولوديمير زيلينسكي يسعى إلى توسيع دائرة الضغوط على روسيا عبر إشراك الأوروبيين بصورة أكبر، خاصة بعدما تباطأت الاتصالات الثلاثية التي ضمت الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا خلال الأشهر الأخيرة. وتؤكد كييف أن هدفها الأساسي هو إعادة تحريك المسار الدبلوماسي بالتوازي مع استمرار الدعم العسكري الغربي.
أما موسكو، فتبدو متمسكة بمنطق القوة قبل السياسة. فالرئيس الروسي يشترط عملياً تثبيت مكاسب ميدانية إضافية في منطقة دونباس قبل الانتقال إلى أي مفاوضات جادة، ما يعني أن الكرملين لا يرى في الوقت الراهن ضرورة للاستعجال في تقديم تنازلات سياسية. وتفيد أوساط روسية بأن الرسالة الأساسية لبوتين تقوم على مبدأ بسيط: التعاون ممكن، لكن فقط وفق توازنات تعترف بالوقائع التي فرضتها الحرب.
وفي ظل هذا المشهد، ظهرت محاولات أوروبية سابقة لفتح خطوط اتصال مع موسكو، أبرزها التحرك الفرنسي الذي حمل رسائل مفادها أن أوروبا يجب أن تكون حاضرة على طاولة التسوية، إلا أن الرد الروسي جاء بارداً، مع تلميح إلى أن موسكو قد تستمع مستقبلاً إلى مقاربات أوروبية مختلفة إذا حملت مضموناً أكثر واقعية من وجهة نظرها.
ميدانياً، لا تزال الحرب تعكس تناقضاً عميقاً بين الخطاب السياسي والواقع العسكري. فرغم الحديث المتكرر عن وقف إطلاق النار والتهدئة المؤقتة المرتبطة باحتفالات "يوم النصر" في روسيا، استمرت الضربات الجوية والمعارك على الأرض، فيما تبادل الطرفان الاتهامات بإفشال أي فرصة لخفض التصعيد.
ويبدو أن أوروبا بدأت تدرك أن استمرار بقائها خارج غرفة التفاوض سيجعلها تدفع لاحقاً ثمن تسوية قد لا تراعي أمنها الاستراتيجي ولا مصالحها الاقتصادية. ومع ذلك، فإن دخولها الفعلي إلى هذا المسار لن يكون سهلاً، لأن موسكو تنظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره طرفاً منحازاً بالكامل إلى كييف، لا وسيطاً مستقلاً.
وفي تقدير موضوعي، فإن فرص التوصل إلى تسوية حقيقية ما زالت محدودة في المدى القريب، ليس بسبب غياب قنوات الاتصال، بل لأن جميع الأطراف الرئيسية ما تزال تعتقد أن الوقت قد يمنحها مكاسب أفضل. روسيا تراهن على استنزاف أوكرانيا والغرب، وأوكرانيا تعوّل على استمرار الدعم الغربي، بينما تحاول أوروبا منع تهميشها في معادلة تتشكل فوق أرضها ومن دون قرارها الكامل. وفي الحروب الطويلة، غالباً ما تتأخر السياسة حتى يقتنع الجميع بأن كلفة القتال أصبحت أعلى من كلفة التسوية.