
إيران بين الرادع والاحتواء، لماذا المغامرة العسكرية قد تجر الولايات المتحدة إلى مستنقع طويل الأمد:
تتصاعد الضغوط على إدارة واشنطن في الفترة الأخيرة، وسط دعوات داخلية متزايدة لاتخاذ موقف حازم تجاه إيران، سواء عبر فرض عقوبات أشد أو من خلال تهديد عسكري مباشر. لكن، إذا كانت فكرة "القبض" على شخصية مثل نيكولاس مادورو في فنزويلا تبدو من الناحية العملية سهلة نسبيًا، فإن مهاجمة إيران ليست مجرد خطوة عسكرية، بل مخاطرة جيوسياسية هائلة قد تجر الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد مع أبعاد معقدة.
إيران اليوم ليست دولة ضعيفة يمكن تحييدها بضربة محدودة. لديها منظومة دفاعية متقدمة، وقدرات صاروخية متطورة، ووجود في مناطق حساسة من الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان واليمن. أي محاولة عسكرية ضدها لن تقتصر على حدودها الجغرافية، بل قد تؤدي إلى إشعال جبهات متعددة، تزيد من حجم الخسائر وتستنزف الموارد الأمريكية على المدى الطويل.
علاوة على ذلك، من الصعب التنبؤ بنتائج المواجهة مع إيران. ففي حين أن عملية استهداف مادورو أو أي زعيم في دولة محدودة تعتبر عملية تكتيكية قابلة للقياس والتحكم، فإن المواجهة مع إيران تنطوي على احتمالات تصعيد سريع، وقد تشمل هجمات غير متوقعة على حلفاء واشنطن، خطوط شحن الطاقة العالمية، وحتى الأمن الداخلي الأمريكي عبر هجمات غير تقليدية. باختصار، إيران تمتلك أدوات الضغط التي يمكن أن تجعل أي مواجهة عسكرية قصيرة تتحول إلى حرب ممتدة وغير محددة المعالم.
الأهم من الجانب العسكري هو البعد السياسي والدبلوماسي. مهاجمة إيران ستضع الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع حلفاء إقليميين ودوليين، وربما تضعف التحالفات التقليدية، بينما تعزيز الخيار الدبلوماسي، والعقوبات المستهدفة، واستخدام وسائل الضغط الاقتصادية والاستخبارية، يوفر إمكانية احتواء إيران دون الدخول في دوامة صراع طويل.
الدرس التاريخي واضح: التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان أو حتى ليبيا أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق أهداف استراتيجية؛ بل كثيرًا ما تؤدي إلى استنزاف القوى والموارد، وخلق فراغات سياسية تؤجج الصراعات الإقليمية، وتولد أزمات لا حصر لها.
لذلك، يمكن القول إن "القبض" على مادورو يشبه حلقة درامية منفصلة، بينما مهاجمة إيران أشبه بمحاولة إشعال حريق هائل في مستودع متفجر، حيث كل خطوة خاطئة يمكن أن تتحول إلى كارثة سياسية وعسكرية. الحكمة، إذن، تكمن في التحرك بعقلانية، والتركيز على أدوات الضغط غير العسكرية، حتى يتم تفادي الانزلاق نحو صراع طويل ومعقد لا طائل منه.