
باب المندب بين التهويل والواقع: هل تملك الصومال حقاً ورقة إغلاق المضيق أم أننا أمام حرب رسائل سياسية؟
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يشتعل الخليج بتوترات مضيق هرمز، ويعيش البحر الأحمر على إيقاع المواجهة المفتوحة من غزة إلى اليمن، خرجت تصريحات السفير الصومالي عبد الله ورفا لتفتح باباً واسعاً من الجدل الاستراتيجي حول مضيق باب المندب، أحد أخطر الشرايين البحرية في العالم.
الحديث عن إمكانية جعل الوصول إلى باب المندب “رهينة” لسيادة مقديشو على إقليم صوماليالاند لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل بدا وكأنه رسالة سيادية مشفرة موجهة إلى واشنطن وتل أبيب وكل من يعبث بخرائط القرن الأفريقي. لكن بين التصريح السياسي وإمكانية التنفيذ العسكري، تقف أسئلة ثقيلة تحتاج إلى تفكيك هادئ بعيداً عن الانفعال الإعلامي.
أولاً، لا بد من وضع المسألة في إطارها الحقيقي. باب المندب ليس مضيقاً صومالياً خالصاً حتى تتمكن مقديشو من إغلاقه بقرار منفرد، بل هو ممر دولي استراتيجي تتحكم به جغرافياً عدة أطراف، أبرزها اليمن وجيبوتي وإريتريا، بينما تقع الصومال في عمق الحسابات الأمنية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي أكثر من كونها صاحبة سيطرة مباشرة على المضيق نفسه.
هنا تظهر أول نقطة تفنيد أساسية: الصومال لا تملك قانونياً ولا عسكرياً القدرة المباشرة على إغلاق باب المندب كما يُروّج. ما تملكه فعلياً هو القدرة على التهديد السياسي، وإثارة القلق الاستراتيجي، واستخدام ملف أمن الملاحة كورقة ضغط مرتبطة بملف صوماليالاند والانفصال المحتمل.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
عندما تتحرك إسرائيل نحو إقليم صوماليالاند، سواء عبر اتصالات سياسية أو حضور دبلوماسي أو تفاهمات أمنية محتملة، فإن مقديشو لا ترى ذلك مجرد علاقات خارجية، بل تعتبره اعترافاً عملياً بانفصال الإقليم وضرباً مباشراً لوحدة الدولة الصومالية. وعندما تتردد في الأفق إشارات أمريكية حول قواعد عسكرية أو ترتيبات أمنية في المنطقة، فإن الدولة المركزية في مقديشو تشعر بأن مشروع تفكيكها قد بدأ فعلاً.
في هذه اللحظة، يصبح التهديد بباب المندب ليس إعلان حرب، بل إعلان رفض.
إنه ما يمكن تسميته بـ”سلاح الدولة الضعيفة ذات الموقع الخطير”، حيث تتحول الجغرافيا إلى سلاح ردع، ويصبح المضيق ورقة مساومة في مواجهة مشاريع التقسيم.
لكن هل تملك الصومال أنياب التنفيذ؟
الإجابة العسكرية الصريحة: ليس منفردة.
القوات البحرية الصومالية لا تملك القدرات العملياتية الكافية لفرض حصار بحري على واحد من أكثر الممرات الدولية ازدحاماً، كما أن أي محاولة فعلية لإعاقة الملاحة ستقابل فوراً برد دولي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها تحت عنوان “حماية حرية الملاحة الدولية”، وهو عنوان جاهز دائماً للتدخل العسكري المباشر.
لكن مقديشو لا تراهن على قوتها الذاتية فقط، بل على عاملين بالغَي الأهمية:
الأول، المظلة التركية، حيث أصبحت أنقرة لاعباً أمنياً مركزياً في الصومال عبر القواعد العسكرية، التدريب، التسليح، وبناء بنية دفاعية متنامية. تركيا لا تبحث فقط عن نفوذ في أفريقيا، بل عن موقع متقدم في معادلة البحر الأحمر.
الثاني، حالة الفوضى الدولية الحالية، حيث تعاني واشنطن من تشبع استراتيجي بين أوكرانيا، وغزة، والبحر الأحمر، وتوترات آسيا. أي أزمة جديدة في باب المندب ستكون عبئاً إضافياً لا ترغب الإدارة الأمريكية في انفجاره الكامل.
من هنا نفهم أن التهديد الصومالي ليس تهديداً عسكرياً مباشراً، بل تهديد بخلق أزمة دولية كبرى إذا تم العبث بوحدة الدولة.
أما السيناريوهات المتوقعة، فهي تتحرك ضمن ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول هو التدويل العسكري، حيث يتم الدفع بقوات بحرية دولية تحت ذريعة حماية الملاحة. هذا السيناريو يعني عملياً عسكرة القرن الأفريقي بشكل غير مسبوق، وتحويل البحر الأحمر إلى مسرح اشتباك مفتوح، مع احتمالات احتكاك مباشر مع النفوذ التركي، وربما دخول أطراف إقليمية أخرى على الخط.
السيناريو الثاني هو صفقة التهدئة، وهو الأكثر عقلانية، حيث يتم تجميد أو تخفيف الدعم الخارجي لمشروع انفصال صوماليالاند مقابل ضمانات صومالية بعدم التصعيد في ملف الملاحة. هذا السيناريو هو المفضل اقتصادياً للعالم، لأن سلاسل الإمداد العالمية لم تعد تحتمل صدمة جديدة.
أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فهو انزلاق الصومال نحو تحالفات مضادة للوجود الأمريكي، بما يفتح المجال أمام تقاطعات مع روسيا أو إيران ضمن استراتيجية “المضائق المشتعلة”، من هرمز إلى باب المندب. هنا تتحول الأزمة من نزاع سيادي محلي إلى جزء من حرب كونية على طرق التجارة والطاقة.
رؤيتي الاستراتيجية والعسكرية أن ما يحدث ليس أزمة مضيق، بل أزمة خرائط.
المعركة الحقيقية ليست على باب المندب، بل على مستقبل الدولة الصومالية نفسها. صوماليالاند ليست مجرد إقليم متمرد، بل مفتاح لإعادة رسم النفوذ في القرن الأفريقي كله. ومن يسيطر على هذه المنطقة لا يسيطر فقط على أرض، بل على معادلة البحر الأحمر، وعلى أمن الملاحة العالمية، وعلى خاصرة الخليج الجنوبية.
الصومال تدرك أنها ليست الأقوى عسكرياً، لكنها تدرك أيضاً أنها تقف على أحد أهم مفاصل العالم. لذلك اختارت أن تقول للجميع بوضوح: إذا كان ثمن وحدتي الوطنية هو اضطراب تجارتكم الدولية، فليتحمل العالم هذا الثمن.
الخلاصة أن باب المندب لن يُغلق غداً، لكن مجرد وضع هذا الاحتمال على الطاولة يكفي لإرباك العواصم الكبرى.
في عالم الجغرافيا السياسية، ليست القوة دائماً في حاملات الطائرات، بل أحياناً في دولة ضعيفة تعرف جيداً أين تضع إصبعها على عصب العالم.
والصومال اليوم تحاول أن تفعل ذلك تماماً.