في قصص ألف ليلة وليلة نقرأ عن ورطة وقع فيها المسافر الذي كان يجتاز رحلته عبر الصحراء، وفيما هو يستريح لتناول طعامه، يقوم برمي بذرة العنّاب بعد أكل الثمرة البالغة الضآلة ، فيفاجىء بعفريت يخرج إليه مدعياً أن البذرة التي رماها قد أصابت ابنه في مقتل !! وهو الآن يطالب بالانتقام من المسافر المسكين الذي لا يفهم أي ذنب ارتكب …
وبقدر ما تبدو الحكاية بحد ذاتها خيالية ، إلا أن فكرة الموت ببذرة عناب طائشة ، فكرة لا تخطر إلا ببال عفريت ! أما الأدهى فهو أننا معرضون في كل عصر وزمان لمواجهة عفريت يخرج علينا حاملاً بذرة عناب، فيكيل الاتهامات القاتلة ،ويقلب رحلة حياتنا مأساة مفجعة:
جيوش تشن الحروب على بلاد آمنة بحجة ( بذرة عناب ) قد تكون مخبأة لاستعمالها لاحقاً كسلاح قاتل ، أنظمة تعاقب شعوبها خوفاً من ( بذرة عناب ) قد تنمو وتكبر فتطيح بها ، أحزاب تهاجم منافسيها قبل أن تفكر بقذف ( بذرة العناب ) من فيها، مفكرين يحرقون بسبب ( بذرة عناب ) قد تصل إلى أيديهم …
وكم يبدو لي اختيار الحكاية لهذه البذرة ذكياً وذو دلالة، فبقدر ضآلة هذه البذرة وتفاهتها، تغدو ضآلة هذا الإنسان أو الشعب المعرّض لجبروت عفريت لا يدري من أي أرض قد يأتيه ، فيقف أمامه منتظراً حكمه الجائر بلا حول ولا قوة .
هيفاء عجيب. دمشق