
بتول علي سليمان… اختطاف طالبة جامعة تشرين وتحويل الجريمة إلى “رقم طائفي” في سجلّ الانحطاط السياسي
يبدو أن هناك مستوى جديداً من الانحدار لا يكتفي بتجاهل الجريمة، بل يعيد تعريفها بالكامل وفق هندسة لغوية مريضة: اختطاف طالبة اسمها بتول علي سليمان من جامعة تشرين لا يُقدَّم كجريمة تهزّ أي مجتمع طبيعي، بل يُحاول بعضهم تسويقه كـ“تحصيل حاصل ديمغرافي”، وكأن الإنسان تفصيل زائد في معادلة طائفية قذرة.
في هذا المنطق، لا توجد فتاة اختُطفت من حياتها، من حقها في التعليم، من مستقبلها الطبيعي كبشر، بل توجد “حالة” يمكن تدويرها داخل خطاب بارد: تحويل الاختطاف إلى “هجرة”، والجريمة إلى “انتقال”، والقسر إلى “قدر”، وكأن السلاح صار أداة عبور روحي لا أداة قمع وإلغاء.
الأخطر ليس فقط الجريمة، بل الجرأة على تزييف معناها. حين تُقدَّم مأساة بتول علي سليمان كـ“إنجاز”، فنحن لا نواجه انحرافاً في التوصيف، بل انهياراً كاملاً في البنية الأخلاقية التي تفترض أصلاً أن هناك فرقاً بين الضحية والجلاد، بين الفعل الإجرامي وبين أي رواية تبريرية له.
ثم تأتي القفزة الأكثر قبحاً: اختزال الإنسان إلى رقم في دفتر طائفي متعفن. “زادوا رقماً… نقصوا رقماً”… هكذا يُبسط وجود البشر إلى حسابات سوقية رخيصة، وكأننا أمام ميزان خردة لا أمام مجتمع حيّ. هذا ليس تفكيراً سياسياً، بل سقوط في بدائية خطيرة تُعيد إنتاج أبشع أشكال الوعي الجمعي: الإنسان ككتلة قابلة للعدّ، لا ككائن له حرمة وحق وكرامة.
وما هكذا تُورد الإبل… لا في اللغة ولا في السياسة ولا في الأخلاق. الإبل، في قسوتها وبدويتها، تُقاد بالحكمة والصبر، لا بالاختطاف ولا بالإنكار ولا بتحويل البشر إلى أرقام في دفتر دم بارد. أما هنا، فنحن أمام عقلية لا تقود شيئاً، بل تجرّ المجتمع كله نحو هاوية من التفكك المعنوي.
إن أخطر ما في هذا النمط من الخطاب أنه لا يبرّر الفعل فقط، بل يعيد إنتاجه بشكل أكثر وقاحة: من اختطاف إلى “حكاية”، من ضحية إلى “تحصيل”، ومن جريمة إلى “تفصيل جانبي”. وعندما تُختطف اللغة بهذا الشكل، يصبح الصمت ليس حياداً، بل شراكة ناعمة في تطبيع الجريمة.
ولا يقل خطورة عن ذلك أي صمت رسمي أو إدارة باردة للمشهد، أو التعامل مع الحادثة كملف قابل للتجميل أو الاحتواء. فحين تفشل الدولة أو السلطة أو أي بنية نافذة في تسمية الجريمة باسمها الصريح، فإنها عملياً تمنحها مساحة للاستمرار، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والخوف إلى نظام اجتماعي غير معلن.
اختطاف بتول علي سليمان ليس حادثة عابرة، ولا تفصيلاً يمكن رميه في أرشيف الأخبار. إنه اختبار مباشر لمعنى المجتمع نفسه: هل الإنسان قيمة ثابتة أم مجرد رقم قابل للحذف والإضافة حسب المزاج السياسي والطائفي؟
المسألة ليست في من يحاول تزييف الرواية، بل في المنظومة التي تسمح لهذا التزييف أن يبدو ممكناً أصلاً. حين تصبح الأرقام بديلاً عن البشر، والسرديات بديلاً عن الحقائق، نصبح أمام مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية بالكامل، حتى لو استمر في التظاهر بأنه يتحدث بلغة القانون أو الدولة أو الاستقرار.
الحقيقة الوحيدة التي تبقى خارج هذا العبث: لا توجد “إنجازات” في الاختطاف، ولا توجد “أرقام” تُغني عن البشر، ولا يوجد أي خطاب – مهما كان متجبّراً أو مزخرفاً – قادر على تحويل الجريمة إلى شيء آخر غير ما هي عليه: جريمة كاملة، عارية، وقبيحة.