--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بتول… حين تتحول المأساة إلى مرآة لانقسام المجتمع

Salah Kirata • ١٠‏/٥‏/٢٠٢٦

32731.jpg


بتول… حين تتحول المأساة إلى مرآة لانقسام المجتمع:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليست المرة الأولى التي تهتز فيها البيئة السورية على وقع حادثة اختفاء أو خطف أو زواج قسري أو ملتبس، وربما ــ للأسف ــ لن تكون الأخيرة ما دامت أسباب الخوف والفوضى والانقسام والكراهية قائمة. لكن ما جرى في قضية الشابة بتول سليمان علوش، الطالبة ذات الواحد والعشرين عاماً في جامعة تشرين، تجاوز حدود الواقعة نفسها على فظاعتها وقسوتها، وتحول سريعاً إلى قضية رأي عام، وإلى ساحة اشتباك نفسي واجتماعي وطائفي وسياسي في آن واحد...

المشكلة هنا لم تعد فقط في حقيقة ما جرى، وهل كانت الحادثة اختطافاً مكتمل الأركان أم واقعة أخرى جرى توصيفها بصورة مختلفة، بل في الطريقة التي تعاطى بها المجتمع معها. فالسوريون ــ أو لنكن أكثر دقة: المهتمون والمتفاعلون مع القضية انقسموا إلى فريقين واضحين:

- فريق صدّق الرواية كما وردت، وتعامل معها بوصفها جريمة تمس كرامة فتاة وأسرة كاملة، وتستدعي التعاطف والغضب والمطالبة بالحقيقة والعدالة...
- وفريق آخر شكك بالرواية، أو اعتبرها غير دقيقة من حيث التوصيف، ومال إلى اعتبارها أقرب إلى نمط من الحوادث التي عرفها المجتمع السوري عبر عقود طويلة، حيث كانت بعض حالات الزواج تتم بطريقة “الخطف” نتيجة رفض الأهل أو العادات الاجتماعية أو الفوارق الطائفية والمناطقية...
ورغم اختلاف الرأيين، فإن الخلاف بحد ذاته ليس المشكلة، فالمجتمعات الحية تتعدد فيها القراءات، وتتباين فيها المواقف، لكن الكارثة الحقيقية بدأت عندما تحوّل التشكيك إلى حالة من القسوة الفجة، والتجرد من أي حس إنساني، والاستخفاف بمشاعر عائلة تعيش القلق والرعب والانكسار...
علماً: 
كان يمكن لمن يشكك بالرواية أن يفعل ذلك بحد أدنى من الاحترام، أو أن ينتظر نتائج التحقيقات، أو أن يناقش بهدوء ومسؤولية، لكن ما حدث أن بعض الأصوات انزلقت إلى خطاب فجّ، غليظ القلب، خالٍ من الرحمة، وكأن المطلوب ليس البحث عن الحقيقة، بل إذلال أهل الفتاة وكل من تعاطف معهم...
إلا أن الأخطر من ذلك هو أن القضية خرجت من إطارها الإنساني، لتدخل سريعاً في الاصطفافات الطائفية والسياسية، فبدلاً من أن تكون قضية فتاة وأسرة ومجتمع، تحولت عند البعض إلى مناسبة لتصفية الحسابات، أو لتأكيد الكراهية المتبادلة، أو للسخرية من مخاوف الناس وآلامهم. ووصل الأمر إلى حد الشخصنة الرخيصة، والشتائم، والتخوين، والانحدار الأخلاقي الذي يكشف حجم الاحتقان الكامن في النفوس...

            ( وهنا يكمن الخطر الحقيقي)...

لأن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الجرائم، بل بسبب الطريقة التي تتفاعل بها مع الجرائم. وحين يصبح الألم مادة للشماتة، والخوف مناسبة للتحريض، والتعاطف سبباً للهجوم، فإننا نكون أمام تصدع أخلاقي عميق أخطر بكثير من الحادثة نفسها...

ما أخشاه اليوم كمواطن سوري ليس فقط ضياع الحقيقة فلطالما ضاعت حقوق، ولطالما ظلم سوريون، بل أن يتحول هذا النوع من القضايا إلى وقود لثأر اجتماعي متبادل، أو إلى منطق “الخطف مقابل الخطف”، والانتقام مقابل الانتقام، فتتوسع الدائرة حتى تبتلع الجميع، وعندما تدخل المجتمعات هذا النفق، يصبح الخروج منه بالغ الصعوبة، لأن الدم لا ينتج إلا دماً، والكراهية لا تولد إلا كراهية أكبر...
لذا اقول:
إن واجب العقلاء اليوم ــ مهما اختلفت آراؤهم ــ أن يرفضوا تحويل المآسي الفردية إلى معارك هوية وانتماء، فمن حق أي إنسان أن يشكك أو يناقش أو يطلب التثبت من الوقائع، لكن ليس من حق أحد أن يدوس على وجع الناس، أو أن يحول خوف أسرة إلى مادة للتنمر والتشفي والتحريض...
في النهاية:
 قد تختلف الروايات، وقد تظهر حقائق جديدة، لكن الشيء الذي لا يجوز أن نفقده هو إنسانيتنا، لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التعاطف، يفقد بالتدريج قدرته على البقاء مجتمعاً.