
"بوابة الصحراء":
لم يكن سجن تدمر مجرد جدرانٍ وسط الصحراء… كان فماً حجرياً يبتلع البشر ثم يبتلع أسماءهم بعدهم.
في فجر قائظ من حزيران عام 1980، تهبط المروحيات العسكرية على أرضٍ يلفها الغبار والرهبة. وجوه الجنود متجهمة، والمدينة العسكرية مغلقة على خوفٍ ثقيل. في الداخل، مئات المعتقلين السياسيين والإسلاميين والطلاب والضباط السابقين ينامون فوق إسمنت بارد، لا يعلمون أن الليل الذي مضى كان آخر عهدهم بالحياة.

قبل ساعات فقط، كانت دمشق تهتز على وقع محاولة اغتيال استهدفت الرئيس السوري حافظ الأسد. الدولة كلّها دخلت حالة استنفار، والغضب تحوّل إلى قرار دموي سريع: العقاب يجب أن يكون ساحقاً ورسالةً للجميع.

تبدأ العملية داخل السجن بلا محاكمات ولا أسماء. مجموعات عسكرية خاصة تدخل العنابر مع زخات الرصاص والقنابل والشتائم. بعض السجناء يُقتلون وهم نائمون، وآخرون يركضون في الممرات الضيقة بحثاً عن نجاة مستحيلة. الدم يمتزج بالماء والرمل، والصحراء تبتلع الصراخ كما لو أنها اعتادت عليه منذ زمن بعيد.

تنتشر الروايات لاحقاً عن أن «سرايا الدفاع» بقيادة رفعت الأسد كانت القوة الأبرز في التنفيذ، بينما بقيت تفاصيل القرار الحقيقي غارقة في عالم الأجهزة الأمنية المغلق. تتحدث منظمات حقوقية وشهادات ناجين عن مقتل مئات السجناء، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن العدد تجاوز الألف.

في الداخل السوري، وصل الخبر هامساً وخائفاً. لم يكن الناس يملكون رفاهية السؤال. العائلات كانت تختفي في صمت، والأمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا أبداً. أما الخارج، فقد تعامل مع المجزرة كواحدة من أبشع الجرائم السياسية في المنطقة، لكن الإدانات الدولية بقيت خافتة أمام تعقيدات الحرب الباردة والتحالفات الإقليمية آنذاك.
بعد عقود، يعود اسم تدمر مجدداً حين قام تنظيم داعش بتدمير أجزاء واسعة من السجن بعد سيطرته على المدينة عام 2015. البعض رأى في ذلك محاولةً لمحو رمز من رموز القمع السوري، وآخرون اعتبروه تدميراً لذاكرة الجريمة ذاتها وللدليل المادي الذي بقي شاهداً على ما حدث داخل تلك الجدران.
أما اليوم، فإن إعادة فتح النقاش حول السجن وتنظيم زيارات إلى بقاياه واستحضار ذكرياته في الخطاب السياسي والإعلامي، فيكشف أن تدمر لم يعد مجرد مكان… بل أصبح معركة على الذاكرة نفسها: من يروي الحكاية؟ ومن يملك حق تفسير الماضي؟ وهل تخشى الأنظمة الحالية من ذاكرة الأنظمة السابقة، أم تستخدمها لإعادة تشكيل الخوف والشرعية والخصومة في آن واحد؟

في النهاية، تبقى الحقيقة الكبرى أن سجن تدمر لم يكن سجناً فقط… بل رمزاً لعلاقة معقدة بين السلطة والخوف والذاكرة في سوريا الحديثة.