
بيعُ المشافي… إعلانٌ رسميّ بأن اللصوص يحكمون؟!.
ليست المسألة هنا قرارًا اقتصاديًا عابرًا، ولا اجتهادًا إداريًا يحتمل الصواب والخطأ. حين تفكّر حكومة انتقالية—وُجدت أصلًا لحماية الناس لا لابتزازهم—في بيع المشافي العامة للقطاع الخاص، أو حتى إشراكه بها تحت أي مسمّى، فهي لا ترتكب خطأً تقنيًا، بل تعلن سقوطها الأخلاقي الكامل.
المشافي الحكومية ليست شركات خاسرة في دفاتر محاسبين، بل هي خط الدفاع الأخير عن الفقراء، عن الذين لا يملكون ثمن الحياة أصلًا. هي المكان الذي يتساوى فيه الإنسان مع الإنسان، بلا بطاقة ائتمان، بلا وساطة، بلا إذلال. المساس بهذا المبدأ ليس إصلاحًا، بل خيانة صريحة لوظيفة الدولة نفسها.
من يبرّر بيع المشافي يتحدث بلغة الأرقام، يخفي خلفها جشعًا عاريًا. يقولون “كفاءة”، ويقصدون “ربحًا”. يقولون “تطويرًا”، ويعنون “إقصاءً”. والنتيجة معروفة سلفًا: صحة تتحول إلى سلعة، والمريض إلى زبون، والحياة إلى فاتورة مفتوحة على الموت.
الأخطر من القرار نفسه هو العقل الذي يقف خلفه. عقل يرى الدولة عبئًا يجب تفكيكه، لا مظلة يجب تعزيزها. عقل لا يرى في المواطن إنسانًا له حق، بل فرصة استثمار. وحين يصل هذا المنطق إلى المشافي، نكون قد دخلنا مرحلة لا عودة سهلة منها.
عندها، لا يعود الوصف مجازيًا أو مبالغًا فيه. من يدفع بهذا الاتجاه، وهو يدرك نتائجه الكارثية على الفئات الأضعف، لا يمكن النظر إليه كمسؤول عادي يخطئ ويصيب. نحن أمام سلوك يقترب من الافتراس المنظّم، حيث تُسلخ أبسط حقوق الناس تحت غطاء قرارات رسمية.
الحكومات الانتقالية تُمنح شرعيتها من هشاشة المرحلة وحاجة الناس للحماية، لا من تفويض مفتوح لبيع ما تبقّى من الدولة. وأي انحراف عن هذه المهمة الأساسية يحوّلها من أداة إنقاذ إلى أداة نهب.
لذلك، المسألة ليست نقاشًا اقتصاديًا، بل اختبار أخلاقي فاصل: إما دولة تقف مع مواطنيها في لحظات ضعفهم، أو سلطة تتخفّى بربطة عنق لتؤدي دور السمسار.
وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال: هل القرار صائب أم خاطئ؟
بل يصبح: من الذي يجرؤ على تحويل المرض إلى صفقة؟