
بين اعتذار الشرع واعتذار درعا…
هل المشكلة في الخطأ أم في هوية المعتذر؟:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ظ
من أخطر ما أصاب الوعي السوري خلال السنوات الماضية، أن الناس لم تعد تختلف على الوقائع فقط، بل على ترتيبها، وعلى معناها، وعلى ما إذا كانت تُحسب اعتذارًا أم لا...
وكأن المشكلة لم تعد في الحدث، بل في الهوية السياسية والطائفية لمن ارتكب الخطأ أو لمن قدّم الاعتذار...
خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، تحوّل اعتذار الرئيس أحمد الشرع عن ما تم تصويره خطيئة تحاكي بل تفوق ضياع القدس وفلسطين والجولان، كانت قد صدرت من أبيه، في مقابلة ضمن "بودكاست" إلى مادة انفجار سياسي وإعلامي واسع...
نعم:
الرجل اختار أن يعتذر، وأن يحتوي الأزمة، وأن يقول للناس بصورة مباشرة إن ما حدث لا يمثّل الدولة ولا أخلاقها السياسية، ومع ذلك، لم يبق صاحب منبر أو حساب أو ميكروفون إلا وخرج ليقول لنا إن :
"هذا هو الفرق بين الشرع وبشار الأسد"...
وكأن التاريخ بدأ صباح الأمس، وكأن السوريين فقدوا ذاكرتهم بالكامل...
المفارقة هنا ليست في الدفاع عن خطأ، ولا في تبرير إساءة، بل في هذا التزييف المقصود لتسلسل الأحداث، إذ يجري تصوير ما حدث في درعا عام 2011 من خلال خلط مقصود وكأن الدولة السورية آنذاك واجهت قضية الأطفال بالصمت المطلق أو بالعناد الكامل أو بعدم الاعتذار، بينما الوقائع الموثقة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا...
نعم، اعتُقل أطفال درعا بعد كتابة شعارات مناهضة للنظام...
ونعم، انتشرت روايات واسعة عن تعذيبهم وقلع أظافرهم داخل فرع الأمن السياسي الذي كان يرأسه العميد عاطف نجيب، ابن خالة الرئيس بشار الأسد، وهذه الروايات تحولت لاحقًا إلى الشرارة الرمزية الكبرى التي انفجرت منها الاحتجاجات السورية. لكن ما يتم تجاهله عمدًا اليوم هو ما جرى بعد ذلك مباشرة...
لكن ما أراد ٧٥ ٪ من السوريين أن يتناسوه هو أنه قد أُرسل فعلا، وفد رسمي رفيع إلى درعا برئاسة نائب الرئيس آنذاك فاروق الشرع في محاولة واضحة لاحتواء الغضب الشعبي وامتصاص الاحتقان...
ومعلوم:
أنه لم يكن إرسال نائب رئيس الجمهورية إلى محافظة جنوبية غاضبة خطوة بروتوكولية بسيطة، بل كان في منطق الدولة السورية يومها اعترافًا ضمنيًا بأن هناك خطأ كبيرًا وقع ويستوجب المعالجة السياسية المباشرة...
ثم جرى:
عزل العميد عاطف نجيب من منصبه، ووُضع تحت الإقامة الجبرية في دمشق بحسب ما تردد على نطاق واسع في تلك المرحلة داخل الأوساط الرسمية والسياسية السورية...
كما أُطلق:
سراح الأطفال، وتم استقبال وجهاء درعا ومسؤوليها المحليين في لقاءات حملت طابع الاعتذار والتهدئة، سواء داخل مقر فرع الحزب أو عبر اللجنة الأمنية في المحافظة، خلال إطلاق سراح الاطفال من هناك وبوجود أعضاء قيادة فرع الحزب وأعضاء اللجنة الأمنية، وكل هذا بتوجيهات من الرئاسة والقيادة السياسية...
قد يختلف الناس في تقييم صدقية هذه الخطوات أو كفايتها أو توقيتها، لكن إنكار حدوثها أصلًا ليس قراءة سياسية، بل تزوير للتاريخ...
إلا أن :
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس هو:
- هل اعتذر النظام السوري السابق أم لم يعتذر؟..
بل:
- لماذا لم يُقبل الاعتذار حينها؟..
- ولماذا لم تنجح إجراءات الاحتواء؟.. - وهل كانت الأزمة السورية، أصلًا، قابلة للتوقف عند حدود حادثة الأطفال؟..
( بالضبط هنا تبدأ المنطقة التي يهرب منها الجميع، لاسيما منهم جماعة "احمدنا"، وهم ليسوا احسن سيرة من عتاولة النظام السابق لجهة القسوة والاستباحة والعنجهية )...
لأن اختزال الحرب السورية كلها في عبارة:
"لو اعتذر بشار الأسد لما حدث ما حدث"...
هو تبسيط ساذج لتاريخ أعقد من ذلك بكثير، فبعد أسابيع قليلة فقط من أحداث درعا، كانت المنطقة بأكملها تدخل في مرحلة انهيار استراتيجي شامل:
تونس سقطت، مصر اهتزت، ليبيا دخلت الحرب، واليمن انفجر، والعراق كان أصلًا على صفيح مشتعل، وكانت مشاريع إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط قد بدأت بالفعل، أمريكيًا وإقليميًا وتركيًا وإيرانيًا وخليجيًا...
أي إن "قطار الشرق الأوسط الجديد" لم يكن ينتظر مكالمة اعتذار أو إقالة ضابط أمن كي يتوقف على أبواب درعا...
عموما:
ان المقارنة الجارية اليوم بين اعتذار الرئيس أحمد الشرع وبين ما جرى عام 2011، فهي تكشف شيئًا أخطر من السياسة نفسها:
نعم فهي تكشف أن قطاعًا واسعًا من السوريين لا يزال يتعامل مع الوقائع بمنطق الهوية لا بمنطق المبدأ...
فحين يعتذر شخص محسوب على بيئة معينة وأقصد ( عرب سورية السنّة )يصبح الاعتذار:
"حكمة وشجاعة ومسؤولية وطنية"..
وحين اعتذرت الدولة السورية آنذاك "سواء عبر إرسال نائب الرئيس أو عبر إقالة المسؤول الأمني أو إطلاق الأطفال" قيل إن ذلك "مناورة وخداع"...
وحين يُرفض اعتذار هنا ويُقبل هناك، يصبح من حق الناس أن تسأل:
- هل المشكلة فعلًا في الاعتذار نفسه؟..
- أم في صاحب الاعتذار؟..
- أم أن القصة، كما يقول السوريون، ليست "حبة رمانة بل قلوب مليانة"؟..
للأمانة:
هذا السؤال مؤلم، لكنه ضروري لأي مشروع مصالحة وطنية حقيقي، لأن المصالحة لا تقوم على محو الأخطاء، ولا على تبرئة السلطة أو المعارضة، بل على الاعتراف بأن سورية تحولت منذ اللحظة الأولى إلى ساحة تصفية حسابات سياسية وطائفية وإقليمية، وأن الجميع — بلا استثناء — كتبوا فصولًا من الكارثة...
للعلم:
- إن بناء وثيقة مصالحة وطنية سورية يبدأ أولًا من احترام الحقيقة كاملة لا نصفها الذي يناسبنا...
- يبدأ من الإقرار بأن الدم السوري لا يُقاس بالطائفة، وأن الخطأ لا يصبح فضيلة أو جريمة تبعًا لهوية مرتكبه... - ويبدأ أيضًا من الاعتراف بأن سورية خسرت حين صار السوري يرفض التسامح مع خصمه، لا لأن الخطأ لا يُغتفر، بل لأن الخصومة نفسها تحولت إلى عقيدة...
وربما آن الأوان، بعد كل هذا الخراب، أن يسأل السوريون أنفسهم بصدق:
- لو عاد الزمن إلى آذار 2011، هل كانت سورية تحتاج فقط إلى اعتذار؟..
- أم كانت تحتاج إلى مشروع دولة كاملة، عادلة، تطمئن الجميع قبل أن يبتلعهم الحريق؟