
بين العاطفة والحقيقة...
شهادة للتاريخ لا مرافعة عن أحد:
للأمانة، تفاعلت وانفعلت مع ذلك الظهور على اليوتيوب لعدد من الضباط الطيارين السوريين، فكتبت تحت وطأة عاطفة جارفة أكثر مما كتبت تحت سلطان العقل، وعندما أعدت القراءة صباح اليوم، أدركت أن العاطفة حكمتني، وأن العقل الذي اعتدت أن أجعله مرجعي الأول قد تم تهميشه، وهذا ليس من طبعي، ولا من منهجي في النظر إلى القضايا العامة، ولا سيما حين تكون مرتبطة بالدم السوري، وبأخطر مراحل تاريخ البلاد...
لذلك بادرت إلى حذف ما كتبته، لا تراجعًا عن الموقف، بل احترامًا للحقيقة، لأن النص حين يكون مشوبًا بانفعال مفرط يفقد قيمته كوثيقة رأي، ويتحول إلى مجرد صدى لحظة نفسية عابرة. أما الآن، فأنا أكتب ما أراه قناعة عقلانية، لا دفاعًا عن أحد، ولا تبرئة لأحد، بل توصيفًا منصفًا لما يجب أن يقال في زمن أصبح فيه النفاق فضيلة، والكذب وجهة نظر...
أول ما يجب قوله بوضوح، أن الضباط الذين ظهروا، ومن بينهم قائد فرقة، لم يكونوا أصحاب قرار استراتيجي فيما قاموا به، بل كانوا جزءًا من بنية عسكرية صارمة تقوم على مبدأ الأمر والتنفيذ. فالضابط الطيار، مهما علت رتبته الفنية، ليس صاحب قرار سياسي في استخدام القوة الجوية، بل هو منفذ لأمر عمليات صادر من تسلسل قيادي أعلى...
الطيار العسكري، شأنه شأن المجند الذي يحمل بندقيته على الجبهة، لا يُمنح رفاهية النقاش الفلسفي أثناء المعركة، ولا خيار الاعتراض المدني على الأمر العسكري. هو يتلقى المهمة، وينفذها، وإلا فإنه يواجه المحاكمة الميدانية الفورية، وقد يصل الأمر إلى الإعدام في مكان رفض التنفيذ، وأمام رفاقه، ليكون عبرة لغيره، هذه ليست مبالغة أدبية، بل من أبجديات الجيوش العقائدية المغلقة، وخصوصًا في الأنظمة التي تجعل أمن النظام جزءًا من عقيدة المؤسسة العسكرية...
ثم إن من يعرف بنية القوات المسلحة السورية، يعلم أنه منذ تأسيس سرايا الدفاع، ثم لاحقًا تشكيل البنى الأمنية المحيطة بالمطارات والقواعد الجوية، كان هناك أمر قتالي دائم بإسقاط أي طائرة تقلع أو تحلق خارج أمر مهمة رسمي، لأن الغاية الأساسية لم تكن فقط حماية الأجواء، بل حماية النظام نفسه. أي أن الطيار لم يكن يملك حتى خيار “الامتناع الصامت”، لأن مجرد الإقلاع خارج المهمة كان يعني الموت المؤكد...
من هنا، فإن تصوير الأمر وكأن هؤلاء الطيارين أقلعوا بطائراتهم من تلقاء أنفسهم ليقصفوا مدنيين بدافع شخصي أو رغبة ذاتية، هو تبسيط مضلل ومخالف للمنطق العسكري. لم يطِر أحد منهم ليقصف شخصًا له معه ثأر شخصي، ولم يكن القرار قرارهم أصلاً...
لكن، وفي المقابل، ما أُخذ عليهم" وخاصة على قائد الفرقة، وإلى حد ما على بعض الطيارين" أنهم حاولوا رفع التهمة عن أنفسهم بطريقة توحي وكأنهم أبرياء بالكامل من أي مسؤولية أخلاقية، وكأنهم كانوا مجرد ضحايا لا أكثر. وهذا ليس دقيقًا أيضًا...
كان الأجدر بهم أن يقولوا الحقيقة كاملة:
نعم، نحن نفذنا أوامر عسكرية، ولم نكن أصحاب قرار سياسي، ولم نكن نعرف على وجه الدقة الأهداف النهائية للقصف، لأن الطيار لا يرى الهدف كما يراه السياسي، بل يتعامل مع إحداثيات تصله من غرفة العمليات، ممهورة بتوقيت التنفيذ، وموقعة من قائد القوة الجوية أو من يمثله في التسلسل التنفيذي...
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
المسؤولية في هرم القرار العسكري ليست متساوية. فالطيار الذي ينفذ الضربة يمثل الدرجة السادسة أو السابعة من درج المسؤولية، لأن فوقه قائد القوة الجوية، وفوق هذا رئيس أركان الجيش، ثم وزير الدفاع، ثم القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وهو رئيس الجمهورية.
هذه ليست محاولة لتوزيع البراءة، بل لتوزيع المسؤولية وفق منطق الدولة والقانون. فالعدالة لا تقوم على الصراخ، بل على تحديد المسؤوليات بدقة. ومن الظلم أن يُحمّل المنفذ وحده كل الجريمة، كما أنه من الظلم ذاته أن يُعفى من كل مسؤولية أخلاقية...
كان يكفي أن يقول هؤلاء الطيارون إنهم نفذوا أوامر قتال ضمن تصور عسكري رسمي يعتبر أن الأهداف المقصوفة هي تجمعات مسلحة أو إرهابية تهدد الدولة، وأنهم تصرفوا ضمن حسن نية وظيفي، لا ضمن نية إجرامية شخصية. هذا أكثر صدقًا، وأكثر احترامًا لعقول الناس...
ومن هنا أصل إلى النقطة الأهم، وهي التي كثيرًا ما تُغيب عمدًا:
مسألة “القوة المشروعة” و”القوة الغاشمة”، وهما من النظريات الأساسية المعترف بها في القانون الدولي، ولا سيما في الدراسات المتعلقة بالعنف في العلاقات الدولية، وهو المجال الذي كان عنوان أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة فيه: "العنف في العلاقات الدولية"...
النظرية الأولى هي القوة المشروعة، وهي الحق الذي تمتلكه الدولة ذات السيادة، عبر مؤسساتها الشرعية، في استخدام القوة لحفظ النظام العام، ومنع الفوضى، وحماية الأمن والسلم الأهلي، ومواجهة كل ما يهدد وحدة الدولة أو استقرارها أو سلامة مجتمعها. هذا ليس ترفًا سياسيًا، بل أصل من أصول قيام الدولة الحديثة نفسها؛ إذ لا دولة بلا احتكار مشروع لاستخدام القوة...
أما النظرية الثانية فهي القوة الغاشمة، وهي استخدام السلاح خارج إطار الشرعية السيادية، سواء عبر جماعات مسلحة غير خاضعة للدولة، أو عبر دعم خارجي من دول أجنبية تستخدم هذه الجماعات لتحقيق مصالحها. وهنا يصبح حمل السلاح، مهما كانت شعاراته، فعلاً خارجًا عن إطار الشرعية القانونية...
وفي كل زمان ومكان، توجد جماعات تعتد بالمظلومية، وهذا جزء من الطبيعة الإنسانية، خاصة حين تكون الظروف مضطربة، والأمن هشًا، والثقة بين الدولة والمجتمع مهزوزة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المظلومية إلى منصة مفتوحة لتدخلات خارجية، وحين تجد القوى الأجنبية في هذا الاحتقان فرصة لصب الزيت على النار، لا بدافع حقوق الإنسان، بل بدافع المصالح الاستراتيجية...
ولهذا جاء مبدأ راسخ في القانون الدولي: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، لأن فتح أبواب التدخل الخارجي تحت عناوين أخلاقية غالبًا ما ينتهي بتفكيك الدول لا بإصلاحها...
وأخيرًا:
دعونا نقلب المشهد، ونطرح السؤال الذي يهرب منه كثيرون:
- ماذا لو كان العكس هو ما حدث؟ ماذا لو كانت السلطة القائمة اليوم هي من تعرضت لتمرد مسلح واسع النطاق؟..
- ألم تكن ستستخدم كل ما تملك من قوة للدفاع عن الدولة؟..
- بل ألم يكن السوريون أنفسهم، بكل أطيافهم، سيطالبونها بذلك؟..
خذوا مثالًا واضحًا:
أحداث الساحل أيام 6 و7 و8 آذار/مارس 2025، حين قيل إن هناك محاولة انقلابية أو تحركًا مسلحًا يهدد الاستقرار...
- ألم تستخدم السلطات القوة ضد الجماعات المنفلتة؟..
- ألم تستند إلى ذات المبدأ القانوني رخصة "القوة المشروعة"؟
وكذلك ما حدث في المنطقة الجنوبية، وتحديدًا في السويداء، حين استخدمت القوات النظامية القوة لقمع الانفلات ومنع تحول الأزمة إلى انهيار شامل للسيطرة...
- هل اعتُبر ذلك جريمة بالمطلق؟ أم اعتُبر ممارسة لحق الدولة في منع التفكك؟..
المعيار يجب أن يكون واحدًا، لا معيارين، فإذا اعترفنا بشرعية استخدام القوة حين تكون السلطة التي نحبها هي من يستخدمها، فلا يجوز أن ننكر المبدأ نفسه فقط لأن السلطة التي استخدمته لا تعجبنا...
( القانون لا يُبنى على الكراهية، والعدالة لا تُدار بالثأر، والتاريخ لا يُكتب بالانفعال )...
لهذا أقولها بوضوح:
لا دفاع عن جريمة، ولا تبرئة مطلقة لأحد، ولكن أيضًا لا قبول بمحاكمات عاطفية تُختزل فيها الدول إلى روايات شخصية، والجيوش إلى نزوات أفراد، والتاريخ إلى منشورات فيسبوك...
ما نحتاجه ليس المزيد من الكذب الأخلاقي، بل شجاعة الاعتراف بالحقيقة كما هي:
( معقدة، قاسية، وغير مريحة)...
وفي زمن النفاق، تصبح الصراحة تهمة. لكنها تبقى، رغم ذلك، واجبًا...
ختاما:
للجريمة في القانون الجزائي ركنان :
- المعنوي :
ويعني النية أو الدافع، بمعنى أن تكون إرادة الفاعل قد اتجهت إلى ارتكاب الفعل المجرم دون أي إكراه أو قير ودون مصادرة مسبقة لإرادته عبر اشياء مادية ملموسة، ومنها الخطر على حياته أو أسرته...
- المادي :
أن يؤدي فعله إلى ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون ...
واخيرا:
كل من ظهروا على الشاشة من طيارين هم فاعلون ( ماديون ) اي ظهروا الفعل الذي يشكل جريمة بنصوص القانون حيث صار واقعا فعليا ..
لكن الفاعل الأخطر والمسؤول الأكبر هو بشار الأسد الذي مارس سلطاته ودفع هؤلاء وأقصد ( الطيارون )للقيام بما لم احمد عقباه