
بين الامبريالية والسلطوية:
قراءة في مشهد إقليمي معقّد.
في خضم الجدل المحتدم حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وما يرافقها من اصطفافات حادة وتحليلات متضاربة، يصبح من الضروري العودة إلى الأساسيات، لا من أجل تبسيط الصورة، بل من أجل تفكيكها بقدر من الهدوء والوضوح، بعيدًا عن الانفعال والتأويل الانتقائي.
ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن بنية الصراع العالمي الأوسع، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع النزعات الأيديولوجية، وتتشابك قوى دولية وإقليمية في شبكة معقدة من التناقضات. في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة كقوة مركزية تقود تحالفًا واسعًا، تسعى من خلاله إلى الحفاظ على نفوذها الجيوسياسي، بينما تتحرك إسرائيل كحليف أساسي ضمن هذا الإطار، بما تحمله من مشروع تاريخي قائم على التوسع والسيطرة، وما يرافق ذلك من انتهاكات مستمرة بحق الفلسطينيين، وتجاهل واضح لمرجعيات القانون الدولي وقراراته.
لكن، في المقابل، لا يمكن التعامل مع النظام الإيراني بوصفه نموذجًا مضادًا ينسجم مع تطلعات الشعوب العربية. فالنظام القائم في طهران يحمل سمات سلطوية صارمة، تفرض قيودًا مشددة على الحريات، وتتعامل بقبضة أمنية مع أي معارضة داخلية، إضافة إلى سياسات إقليمية تقوم على بناء نفوذ عابر للحدود، غالبًا ما يتم على حساب استقرار دول المنطقة وسيادتها. من التدخل في الشأن العراقي، إلى دعم قوى مسلحة في أكثر من ساحة عربية، وصولًا إلى مشروع التسلح المتقدم، تبدو السياسة الإيرانية جزءًا من معادلة صراع لا تضع مصلحة الشعوب في صدارة أولوياتها.
إن استحضار هذه الحقائق لا يهدف إلى المساواة بين الأطراف، ولا إلى تبرير أفعال أي طرف، بل إلى قراءة الواقع كما هو، دون اختزاله في ثنائيات تبسيطية. فالموقف الأخلاقي والسياسي، من وجهة نظر من يؤمن بعدالة القضايا، يجب أن ينطلق من دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، الذي ما زال يواجه مشروعًا استيطانيًا طويل الأمد، في ظل صمت دولي متكرر.
وفي الوقت نفسه، من المهم عدم الوقوع في فخ تبرير الهيمنة تحت أي ذريعة. فالقوة الأمريكية، بما تمثله من نظام عالمي، ليست استثناءً من منطق الهيمنة الذي عرفه التاريخ، من الإمبراطوريات القديمة إلى الأنظمة الاستعمارية الحديثة. غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إنكار هذه الهيمنة، بل في السعي إلى إعادة التوازن للنظام الدولي، وتعزيز دور المؤسسات التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول على أساس من العدالة والمساواة.
غير أن هذا السعي لا يجب أن يتحول إلى اصطفاف أعمى، بل إلى موقف نقدي مستقل، يرفض الظلم أيًا كان مصدره، ويقاوم القمع مهما كانت مبرراته. فالتاريخ مليء بالأمثلة التي تظهر أن الأنظمة القمعية، حتى وإن رفعت شعارات مقاومة أو استقلال، قد تمارس في الداخل ما تنتقده في الخارج.
من هنا، يصبح الموقف الحيادي، ليس حيادًا سلبيًا، بل حيادًا نقديًا واعيًا، يرفض الانجرار وراء الدعاية، ويحتفظ بمسافة كافية تسمح برؤية الصورة الكاملة. هو حياد لا يعني المساواة بين الجلاد والضحية، بل يعني رفض الانخراط في معارك لا تخدم في النهاية سوى إعادة إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة والعنف.
في النهاية، تبقى البوصلة الحقيقية لأي موقف سياسي أو فكري هي الإنسان وكرامته، والعدالة كقيمة عليا. وكل قراءة تبتعد عن هذه القيم، مهما بدت متماسكة أو منطقية، تظل ناقصة، بل ومهددة بالانحراف نحو تبرير ما لا يُبرر.