--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين البصلة وقشرتها… حكاية سورية مع اللونين الأبيض والأسود

Salah Kirata • ١٢‏/٥‏/٢٠٢٦

33372.png

بين البصلة وقشرتها… حكاية سورية مع اللونين الأبيض والأسود

يقول المثل الشعبي السوري:
«يا داخل بين البصلة وقشرتها… ما بينوبك  إلا ريحتها».
وهو مثل شديد القسوة في حكمته، لأنه لا يتحدث فقط عن الخيبة، بل عن المصير الذي ينتظر صاحب النية الحسنة حين يحاول أن يكون جسراً بين طرفين متخاصمين. يدخل معتقداً أنه يطفئ النار، فإذا به يحترق بها. يحاول تقريب وجهات النظر، فيكتشف أن الطرفين معاً يتهمانه بالخيانة لأنه لم ينحز بالكامل لأحدهما.

هذا المثل يلخص إلى حد بعيد مأساة السوريين خلال العقد والنصف الأخير.
ففي سورية، منذ اندلاع الأزمة، لم يعد هناك مكان للمنطقة الرمادية، ولا مساحة للرأي المركب، ولا فرصة لمن يقول: «أنا مع الدولة لكن ضد بعض ممارساتها»، أو «أنا ضد الفوضى لكنني أؤمن بضرورة الإصلاح»، أو حتى «أرفض العنف من جميع الأطراف».
كان المطلوب دائماً موقفاً حاداً ونهائياً:
إما أبيض بالكامل… أو أسود بالكامل.

ومع مرور السنوات، تحولت هذه الثنائية القاسية إلى نوع من المحاكمات اليومية للناس، لا لأفعالهم فقط، بل حتى لنواياهم.
فمن حاول التهدئة اتُّهم بالتخاذل، ومن دعا إلى الحوار وُصف بالضعف أو العمالة، ومن حاول فهم تعقيدات المشهد بدلاً من إطلاق الأحكام السريعة، بدا كأنه يغرد خارج السرب.
حتى المثقف أو الفنان أو الكاتب، لم يعد يُنظر إليه باعتباره صاحب رأي، بل باعتباره مطالباً بإعلان ولاء كامل وغير مشروط لهذا المعسكر أو ذاك.

المشكلة أن الأوطان لا تُبنى بالأبيض والأسود وحدهما.
الحياة السياسية والاجتماعية بطبيعتها مليئة بالتفاصيل والتناقضات والمناطق الوسطى. وفي اللحظات الكبرى من تاريخ الشعوب، يكون العقلاء عادة هم أولئك الذين يحاولون بناء الجسور لا حرقها. لكن في زمن الانقسام الحاد، يصبح صاحب الموقف المتوازن متهماً من الجميع، لأنه لا يصرخ بما يكفي، ولا يكره بما يكفي.

لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً لهذه الثقافة.
فبدلاً من أن يتحول الاختلاف إلى حوار، تحول إلى قطيعة. وبدلاً من أن يكون التنوع السياسي أو الفكري مصدر غنى، صار سبباً للتخوين والإلغاء. حتى داخل العائلة الواحدة، أو بين الأصدقاء القدامى، صار الناس يخشون الحديث في السياسة خوفاً من خسارة من يحبون.

وربما الأخطر من ذلك كله، أن جيلاً كاملاً نشأ وهو يعتقد أن الاعتدال ضعف، وأن التساؤل خيانة، وأن الإنسان إما أن يكون معك بالكامل أو ضدك بالكامل. وهذه واحدة من أكثر النتائج قسوة على المدى الطويل، لأنها تدمر القدرة على التفكير الحر، وتقتل فكرة التعايش نفسها.

إن سورية اليوم بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمنطقة الوسطى؛ تلك المساحة التي تسمح للإنسان أن يكون وطنياً دون أن يكون متعصباً، وأن يكون معارضاً دون أن يكون هداماً، وأن يحب بلده دون أن يكره كل من يختلف معه.
فالأوطان لا تنجو بالكراهية المتبادلة، بل بقدرة أبنائها على رؤية التعقيد الإنساني والسياسي كما هو، لا كما تفرضه الشعارات.

وربما آن الأوان كي نتذكر أن من يدخل بين البصلة وقشرتها ليس دائماً ساذجاً أو متطفلاً… أحياناً يكون فقط إنساناً يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، في زمنٍ صار فيه الصوت العاقل هو الأكثر وحدة.