
(بين الفعل ورد الفعل) قراءة في الصراع السوري - السوري الذي خدم الآخر على حساب الدم السوري :
في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بالتعامل مع ما جرى بوصفه سلسلة أحداث متقابلة بين “فعل” و”رد فعل” وفق معادلة أخلاقية بسيطة. هذه المقاربة، رغم جاذبيتها الشكلية، تتهاوى أمام تعقيد الواقع، حيث لا يبقى الفعل فعلًا خالصًا، ولا يعود رد الفعل مجرد انعكاس بريء لما سبقه.
في الفيزياء، لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه. لكن في السياسة، خصوصًا في لحظات الانفجار الاجتماعي والحروب، تنهار هذه المعادلة تمامًا. ليس فقط لأن رد الفعل قد يكون أشد وأعنف من الفعل، بل لأنه في كثير من الأحيان يتحول إلى مشروع مستقل بذاته، يكتسب منطقه الخاص، ويعيد تعريف نفسه بوصفه “ضرورة تاريخية” أو “حتمية دفاعية”.
في سوريا، يبدأ التفكيك الموضوعي من نقطة أساسية لا يمكن القفز فوقها: هناك فعل تأسس عبر عقود من بنية سياسية مغلقة، اعتمدت على مركزية السلطة، وتضييق المجال العام، وإضعاف السياسة لصالح الأمن، وتراكم طويل من الاختلال في العلاقة بين الدولة والمجتمع. هذا المسار، مهما تعددت تبريراته، خلق بيئة اجتماعية وسياسية قابلة للانفجار عند أول احتكاك كبير.
لكن الخطأ التحليلي الفادح يبدأ عندما يتم اختزال ما جرى لاحقًا في كونه مجرد “رد فعل طبيعي”. هنا تحديدًا تنزلق القراءة من التحليل إلى التبرير. فحتى لو كان رد الفعل مفهومًا في سياقه، فإنه لا يبقى محايدًا أخلاقيًا أو سياسيًا حين يتضخم إلى حد يتحول فيه إلى عنف واسع، أو حين يُعاد تشكيله داخل أطر أيديولوجية تتجاوز مطلب الإصلاح إلى مشروع إسقاط شامل، لا يفرّق بين الدولة ككيان سياسي وبين السلطة كمنظومة حكم.
الأخطر في التجربة السورية أن خط التمييز بين الفعل ورد الفعل لم يعد واضحًا منذ وقت مبكر. فبينما كان جزء من الحراك يقدم نفسه بوصفه تعبيرًا عن مطالب مدنية تتعلق بالحرية والعدالة والكرامة، بدأت تتسلل تدريجيًا لغة أخرى، تُحمّل الصراع مضمونًا عقائديًا، وتعيد تعريف الخصم السياسي بوصفه خصمًا وجوديًا أو دينيًا، لا مجرد طرف في نزاع على السلطة. وهنا تحديدًا يبدأ التحول النوعي: من السياسة إلى العقيدة، ومن الخلاف المدني إلى الصدام الهوياتي.
في المقابل، لم يتعامل الفعل الرسمي مع هذا التحول بوصفه خطرًا سياسيًا يحتاج إلى احتواء، بل في كثير من المراحل بوصفه تهديدًا وجوديًا يستدعي ردًا أمنيًا واسع النطاق. وبهذا المعنى، لم يعد رد الفعل ردًا على احتجاج سياسي فقط، بل على مزيج مركب من السياسة والتسلح والأيديولوجيا، ما أدى إلى تضخم أدوات العنف وتوسعها خارج حدود السيطرة الأخلاقية والسياسية التقليدية.
المعضلة هنا ليست في تحديد “من بدأ”، بل في فهم كيف ولماذا خرجت الأطراف جميعها من دائرة الفعل السياسي إلى دائرة الفعل العقائدي والأمني المغلق. فحين يدخل الدين كأداة في الصراع السياسي، سواء عبر تبرير إسقاط السلطة أو عبر شرعنة القمع باسم حماية الدولة، يتحول النزاع من خلاف على إدارة الدولة إلى صراع على معنى الدولة نفسها، بل وعلى تعريف الشرعية ومن يملكها.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال السوري الحقيقي: من هو الفاعل ومن هو ردة الفعل؟ بل: متى فقدت السياسة قدرتها على ضبط الصراع؟ ومتى تحولت المطالب إلى هويات مغلقة؟ ومتى صار كل طرف يرى نفسه ممثلًا للحقيقة المطلقة، لا مجرد طرف في معادلة وطنية معقدة؟
إن أخطر ما أنتجته التجربة السورية ليس فقط حجم الدمار، بل انهيار المنطقة الوسطى بين السياسة والعقيدة، بين الدولة والمجتمع، بين الاحتجاج المشروع والانزلاق إلى التعميم الأيديولوجي. وعندما تنهار هذه المنطقة، يصبح العنف ليس مجرد نتيجة، بل لغة بديلة، ويتحول الفعل ورد الفعل إلى حلقة مغلقة، لا أحد فيها يستطيع الادعاء بأنه كان مجرد “رد”.