
بين الفرح والواقع، تأملات في ثأر السوريين:
في قلب السوري المكلوم، تتشابك المشاعر كأمواج عنيفة، خبر تدمير قدرات إيران العسكرية، وقتل قياداتها العليا، يصل كوميض قاتل، يوقظ الغضب القديم، ويثير شعورًا عاطفيًا بالارتياح. شعور لا يُدان، فهو انساني بحت:
سنوات من القتل والدمار، حيث استهدفت السياسات الإيرانية العرب السنة في أرواحهم وأعراضهم وأرزاقهم، وجعلت من الدماء أداة طقوسية في صراع مذهبي وسياسي...
على المستوى الشخصي، الفرح بالثأر يبدو طبيعيًا، وكأنه انفجار من العاطفة المكدسة، صرخة تأخر وقتًا طويلاً...
لكن الفرح هنا خداع. فهو لا يُترجم إلى مصلحة سورية، ولا يعيد من فقدوا حياتهم أو أمانهم أو كرامتهم، المستفيد الحقيقي ليس السوري المكلوم، بل من وضع إيران في هذا المسار منذ البداية، من ساهم في وصول الخميني إلى السلطة، وأطاح بالشاه محمد رضا بهلوي، من تحالف إمبريالي يمتد عبر الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل. هؤلاء، من خلف الستار، يخططون بعيدًا عن دموع السوريين ومعاناتهم اليومية، ويجدون في كل ضربة لمستوى جديد من الانقسام والاضطراب فرصة لتوسيع نفوذهم...
هنا يبرز التناقض:
السوريون يشعرون بالثأر، لكنهم لم يشاركوا في صناعته. الفرح العاطفي يصبح مرآة لغضبهم، أكثر منه أداة لمصلحة وطنية، من حيث أنه شعور مشروع، إنساني، لكنه محدود، لأنه يفتقد للوعي الاستراتيجي، فالعاطفة وحدها، مهما كانت شرعية، لا تصنع سياسة، ولا تحمي وطنًا من التداعيات الكبرى...
الفلسفة تقول إن الحرية من الانفعال هي البداية لفهم أعمق، والفرح بالثأر، مهما كان مبررًا، يجب أن يُقرأ كدرس كون العاطفة وحدها لا تكفي، والمصلحة الوطنية تتطلب بُعد نظر، ووعيًا بالتحولات التي تفرضها القوى الكبرى خارج نطاق إرادتنا. تدمير إيران قد يكون انتقامًا، لكنه ليس نصرًا للسوريين؛ مجرد إعادة ترتيب لمعادلات لا يسيطرون عليها، وفرصة لمن صنعوا المسرح ليزيدوا نفوذهم...
في النهاية:
يبقى السؤال مفتوحًا على كل قلب سوري:
هل نسمح لأنفسنا بالانجراف وراء الفرح الانتقامي، أم نرفع رؤوسنا ونتأمل الواقع بما فيه من تعقيدات، لنرى الطريق الذي يخدم وطننا حقًا؟.. فبين الفرح والثأر، يكمن درس صعب لكنه ضروري:
أن ندرك أن القوة الحقيقية ليست في مشاهدة سقوط الخصم، بل في فهم ما يفيد شعبنا ومستقبلنا على أرضنا.