
بين الفرصة الإقليمية المعلّقة وأزمة القيادة الداخلية… إسرائيل عند مفترق سوريا ولبنان ونتنياهو
تبدو إسرائيل اليوم وكأنها تقف أمام لحظة سياسية نادرة تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع اهتزازات الداخل. فالإعلام العبري، كما يعكسه عدد من التحليلات، يتعامل مع المشهد بوصفه نافذة قد لا تتكرر: في الشمال العربي، وفي قلب النظام السياسي الإسرائيلي نفسه.
على المستوى الإقليمي، تُطرح فكرة “الفرصة التاريخية” في سوريا ولبنان بوصفها نتاجاً لتبدلات عميقة في ميزان القوى. فلبنان، الخارج من حرب مرهقة ومن انكماش اقتصادي واجتماعي حاد، يبدو اليوم ساحة هشّة تتراجع فيها قدرة الدولة على فرض قراراتها، في ظل استمرار قوة حزب الله كفاعل يتجاوز منطق الدولة، ويعيد إنتاج نفسه كـ“دولة داخل الدولة”. غير أن التحولات الأخيرة، سواء على مستوى الضعف البنيوي أو تراجع القدرة الإقليمية للحزب، تفتح - وفق هذا التصور - هامشاً لإعادة التفكير في معادلات العلاقة مع إسرائيل، حتى داخل بيئة شيعية بدأت تشهد تململاً داخلياً غير مسبوق.
لكن العقدة الأساسية لا تزال قائمة: كيف يمكن تصور أي تسوية في ظل غياب آلية لنزع السلاح أو تفكيك البنية المستقلة لحزب الله، وفي ظل مخاوف لبنانية عميقة من انفجار داخلي جديد يعيد إنتاج سيناريو الحرب الأهلية؟ وهنا يظهر لبنان كبلد محكوم بتوازنات طائفية دقيقة، حيث أي خطوة سياسية كبرى قد تتحول من فرصة إلى شرارة تفكك.
في المقابل، يُعاد تقديم سوريا كحالة مختلفة لكنها لا تقل تعقيداً. فالمشهد السوري، رغم غموضه، يُقرأ في بعض الدوائر الإسرائيلية باعتباره انتقالاً بطيئاً من حالة الصدام المفتوح إلى إمكانية “اختبار سياسي” جديد. ورغم استمرار الشكوك تجاه القيادة السورية الجديدة وصورة “الجهادي المقنّع” في الخطاب الإسرائيلي، إلا أن فكرة الانخراط التدريجي عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة بدأت تُطرح كخيار واقعي، لا سيما في ظل تحولات ميدانية وسياسية داخل سوريا نفسها، وتآكل خطوط التماس التقليدية.
غير أن جوهر المشكلة، كما يصفه هذا الخطاب، ليس عسكرياً بقدر ما هو نفسي: انعدام الثقة المتراكم بين الأطراف، وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل أقرب إلى هندسة سياسية معقدة منه إلى تسوية تقليدية. وتستحضر هذه المقاربة التجربة المصرية بعد 1973 بوصفها نموذجاً تدريجياً لتفكيك العداء عبر “خطوات جزئية” قبل الوصول إلى اتفاق شامل.
في المقابل من هذا المشهد الخارجي، يظهر الداخل الإسرائيلي مثقلاً بتحدٍ لا يقل تعقيداً: مستقبل بنيامين نتنياهو سياسياً. فالرجل، بحسب قراءات استطلاعية، لا يزال يتمتع بقدرة فردية عالية على المنافسة المباشرة، لكنه في الوقت نفسه محاصر بإرث حكومته وائتلافه.
المفارقة الأساسية أن نتنياهو يبدو أقوى من خصومه كأفراد، لكنه أضعف من الصورة الجماعية للحكم الذي يقوده. فجزء معتبر من الناخبين الإسرائيليين قد يثقون به شخصياً، لكنهم لا يثقون بالمنظومة السياسية المحيطة به، من وزراء وائتلاف وسياسات متراكمة. وهنا تتحول المعركة الانتخابية من صراع بين قادة إلى صراع بين “شخص” و“نظام حكم”.
الأزمة الأعمق تكمن في سؤال البنية: هل يستطيع نتنياهو إعادة تشكيل ائتلاف جديد أكثر قبولاً؟ أم أن الثقة المتآكلة ستبقى مرتبطة باسمه مهما تغيّر شكل الحكومات؟ وفي المقابل، هل تستطيع المعارضة تقديم بديل موحد قادر على تحويل التذمر من الحكومة إلى مشروع حكم فعلي؟
بين هذه المستويات الثلاثة - لبنان الهش، وسوريا المتحولة، وإسرائيل المنقسمة داخلياً - تبدو الصورة الإقليمية وكأنها تعيش مرحلة إعادة تركيب لا تزال عناوينها غير مكتملة. الفرص موجودة، لكنها محاطة بترددات عالية من الشك، وبتوازنات تمنع تحويلها إلى اتفاقات مستقرة.
في النهاية، لا يبدو أن المنطقة أمام “حلول”، بل أمام اختبار طويل لإدارة الفرص قبل أن تتحول إلى أزمات جديدة، أو تضيع تماماً في ازدحام الحسابات الداخلية والخارجية.