
بين الهتاف والاتهام: لماذا لا تقوم الأوطان إلا بصوتين؟
المفارقة المؤلمة أن بعض من عارضوا الاستبداد بالأمس، يجدون أنفسهم اليوم في موقع الضيق من أي صوت معارض، وكأن التجربة لم تُعلّمهم أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس الخطأ، بل الصمت عن الخطأ. من ينزعج من الناس حين يخرجون ليعبروا عن رأيهم، ربما لم يفهم جوهر الفكرة التي قامت عليها كل حركة احتجاج في الأصل.
الحقيقة البسيطة التي يصعب على كثيرين تقبّلها هي أن الأوطان لا تُدار بالصوت الواحد، ولا تُحمى بالإجماع المصطنع. فالموالاة المطلقة عطب، كما أن المعارضة العمياء عطب آخر لا يقل خطورة. كلاهما، في النهاية، يعطل البوصلة. الأول يبرر الخطأ، والثاني يفتعل المعركة. وبينهما تضيع الحقيقة.
نحن بحاجة إلى معارضة، لا بوصفها خصماً، بل بوصفها ضرورة. معارضة ترى، تشير، تصحح، وتقول "لا" حين يجب أن تُقال. فالإشارة إلى الخطأ ليست خيانة، بل هي أعلى درجات المسؤولية. أما التغاضي عنه، أو تزيينه، فهو الخيانة بعينها، لأنه يؤسس لانحراف يتراكم حتى يصبح واقعاً يصعب تغييره.
وليس من الحكمة أن نُضفي قداسة على الأشخاص، أياً كانت مواقعهم. فالرئيس ليس نبياً، ولا الوزير معصوماً، ولا المحافظ منزهاً عن الزلل. الجميع بشر، يصيبون ويخطئون، وما يضمن تصويب المسار ليس الكمال، بل وجود من يراجع وينتقد ويُحاسب.
في هذا السياق، يبقى الاعتصام أحد أرقى أشكال التعبير. هو فعل مدني، سلمي، يختصر فكرة المشاركة في الشأن العام دون عنف أو فوضى. الخطر لا يكمن في من يعتصم، بل في من يسارع إلى تخوينه، لأن التخوين هو البوابة الأولى لإسكات المجتمع، وتحويله إلى كتلة صامتة تخشى أن تقول رأيها.
المشكلة ليست في الاختلاف، بل في طريقة التعامل معه. هناك من يرى في كل صوت ناقد تهديداً، وهناك من لا يرى في كل إنجاز إلا فرصة للهدم. كلاهما يسيء للفكرة نفسها. فالمعارضة التي تتحول إلى رفض دائم تفقد قيمتها، كما أن السلطة التي ترفض سماع النقد تفقد شرعيتها المعنوية.
إن وجود معارضة حقيقية، قادرة على التعبير والعمل، ليس نقطة ضعف في أي نظام، بل دليل على حيويته. بل يمكن القول إن السماح بهذا الهامش هو اختبار حقيقي للثقة، ورسالة بأن المجال العام لم يعد حكراً على صوت واحد. وهذا بحد ذاته تطور ينبغي البناء عليه، لا التشكيك فيه.
لكن، في المقابل، على المعارضة أن تدرك أن قيمتها لا تُقاس بحدة خطابها، بل بعمق طرحها. النقد من أجل النقد يفرغها من مضمونها، ويحولها من قوة تصحيح إلى عبء. الذكاء السياسي هنا هو في التمييز بين ما يستحق المواجهة، وما يحتاج إلى تقويم هادئ ومسؤول.
في النهاية، الأوطان لا تُبنى بمن يصفقون فقط، ولا بمن يعارضون فقط، بل بالتوازن بين الاثنين. ذلك الصوت الذي يضحكك قد يرضيك لحظة، لكن الصوت الذي يجرؤ على إزعاجك قد ينقذك من خطأ أكبر. وهذه هي الحكمة التي يغفل عنها كثيرون.
حين يغيب من يقول "لا"، يبدأ الانحدار. وحين تُخنق المعارضة، لا تعود المشكلة في السلطة وحدها، بل في المجتمع الذي قبل أن يصمت.