--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين الجريمة والواجب: -كيف تُقرأ أوامر القتل في الجيوش؟.. -وإلى أين تمضي سورية

Salah Kirata • ١٦‏/٥‏/٢٠٢٦

34627.jpg

بين الجريمة والواجب:
-كيف تُقرأ أوامر القتل في الجيوش؟..
-وإلى أين تمضي سورية؟..

لم أكن يوماً مع القتل، لا بوصفه وسيلة للحكم، ولا أداة للانتقام، ولا طريقاً لحماية الدول، لقد بقي سلاحي الشخصي معي ربع قرن أو يزيد، حتى إنني لا أعرف إن كان صالحاً للاستخدام أم لا،  ذات يوم سُرق مسدسي من مكتبي، ولم أكتشف فقدانه إلا بعد وقت طويل، لأنني ببساطة كنت قد وضعته في درج مكتبي ونسيته، تلك ليست محاولة لتجميل الذات، بل توصيف لعلاقة شخصية مع السلاح، حملته الوظيفة، ولم تحمله الروح...

ولهذا، فإن الدفاع عن القتل العمد، أو عن السادية التي مورست بحق السوريين، ليس وارداً عندي لا أخلاقياً ولا قانونياً...
لذا قناعتي راسخة بأن:
 من قتل بدافع الحقد، أو الطائفية، أو الانتقام، أو النهب، أو التشفي، يجب أن يُحاسب، سواء كان برتبة لواء في أجهزة الدولة، أو عنصراً في اي تشكيلات عسكرية أو أمنية، أو واحداً من أولئك الذين دخلوا الحرب بوصفها سوقاً مفتوحة للسرقة والتشبيح والابتزاز، وهؤلاء كثر تكونوا في ما سمي “الدفاع الوطني”، وفي تشكيلات صنعت على عجل، بعضها تحت رايات الدولة وبعضها تحت رايات الدين، تحولت الحرب عند كثيرين إلى مهنة للعنف المجرد، لا إلى وظيفة عسكرية منضبطة...
لكن:
 المشكلة الكبرى في سورية ليست فقط في المجرمين الواضحين، بل في ذلك الخلط الخطير بين مفهوم “القاتل” ومفهوم “المنفذ للأمر العسكري”...
للعلم:
في كل جيوش العالم، من الولايات المتحدة إلى روسيا، ومن فرنسا إلى الصين، تقوم المؤسسة العسكرية والأمنية على مبدأ الطاعة الهرمية، فالجندي لا يخوض الحرب بصفته الفردية، بل باعتباره جزءاً من بنية قيادية تبدأ من أصغر رتبة وتنتهي بالقائد العام، فالشرطي، ورجل الأمن، وعنصر الاستخبارات، والضابط الميداني، كلهم يتحركون ضمن ما يسمى “سلسلة القيادة”، ولهذا السبب تحديداً، فإن القانون الدولي نفسه، رغم تطويره لمبدأ “المسؤولية الفردية”، لم يتعامل يوماً مع الجنود بوصفهم نسخاً متطابقة من المجرمين...

حتى محاكم نورمبرغ، التي أرست قواعد المحاسبة الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، لم تقل إن كل من ارتدى بزّة عسكرية ألمانية كان مجرماً، بل فرّقت بين من خطط وأمر وحرّض وصاغ العقيدة الإجرامية، وبين من نُفذت الأوامر عبرهم ضمن مؤسسة مغلقة تقوم على الانضباط والطاعة والخوف والعقوبات...

ولهذا، فإن أي عدالة حقيقية في سورية لا يمكن أن تُبنى على الرغبة بالثأر الجماعي، ولا على فكرة أن كل من خدم في الجيش أو الأجهزة الأمنية مجرم حكماً، ولا أظن أن هذا غائب عن أذهان صناع القرار بدءا من رئيس الجمهورية إلى كل الوزراء في الحكومة الانتقالية، وانا هنا اقصد جماعة ( احمدنا ) الذين ينطبق عليهم المثل الشعبي المصري وهو ( عاوزين جنازة ويشبعوا فيها لطم ) لمرحلة صرت أخشى أن يصل الأمر إذا كان لأحدهم مشكلة مع جاره ربما ينشر صوره ويقول إنه قاتل ومن الفلول ...
عموماً:
الجريمة في القانون لا تقوم إلا بركنين واضحين:
- الركن المادي: 
أي الفعل الملموس الذي أدى إلى النتيجة الجرمية...
الركن المعنوي:
 أي الإرادة والقصد والمعرفة المسبقة بنتيجة الفعل...
وهنا تحديداً تكمن المعضلة السورية، وأقصد:
- هل كان كل من أطلق النار مدفوعاً بالكراهية الطائفية؟..
- هل كان كل من قاتل مقتنعاً بإبادة الآخر؟..
- أم أن نسبة كبيرة منهم كانت تعتقد بالفعل أنها تدافع عن الدولة، وعن الوطن وعن الشعب وعن ذويهم وأهاليهم وعائلاتهم، وعن المدن التي تعيش فيها؟..

هذا السؤال ليس ترفاً فلسفياً، بل جوهر العدالة نفسها...
لذا اذكّر واقول ماهو معروف واعتقد أنه معمول به وكل امل بهذا:
القاضي الحقيقي لا يكتفي بمشهد الدم، بل يبحث في النية، والخلفية، والبنية النفسية، والعقائدية، والظروف العملياتية، وطبيعة الأوامر، ومقدار القدرة على الرفض، والخوف من العقوبة، وحتى البيئة المغلقة التي صيغ فيها وعي المنفذ، ولهذا ادعو وكما تلجأ المحاكم الكبرى إلى استشارة أو استدعاء خبراء نفسيين، وخبراء سلوك، وتقاطع معلومات، وتحليل خطابات، لفهم: 
- هل كان المنفذ قاتلاً مؤمناً بالفعل؟..
- أم موظفاً في ماكينة حرب ضخمة؟..
للأمانة:
في سورية، اختلط كل شيء بكل شيء، فقد دخلت إلى البلاد تنظيمات جهادية سنية عابرة للحدود، من الإيغور والتركستان والشيشان وغيرهم، تحت شعار “نصرة الإسلام”، وفي المقابل، دخلت ميليشيات شيعية عابرة للحدود تحت الشعار ذاته تقريباً ولكن بعقيدة معاكسة، وكلا الطرفين اعتبر نفسه جيش الله على الأرض، وكلاهما ارتكب جرائم مروعة بحق السوريين،
القاعدة ومشتقاتها، كما الفصائل المرتبطة بإيران، لم تأتِ لبناء دولة سورية، بل جاءت وهي تحمل تصورات عقائدية فوق وطنية، ترى سورية ساحة مشروع، لا وطناً لشعب.

وفي خضم ذلك، وُضع عشرات آلاف السوريين، من الجنود والضباط والعناصر الأمنية، أمام معادلة وجودية قاسية:
- إما أن تقاتل… 
- أو ترى نفسك وأهلك ومدينتك تحت رحمة حرب أهلية مفتوحة ومجموعات مسلحة متعددة المشارب...
شخصياً لا انفي أن:
 - يكون بعضهم قد أخطأ...
- وقد يكون بعضهم أجرم...
- وقد يكون بعضهم تحول إلى وحش...
لكن اختزال الجميع في سلة واحدة ليس عدالة، بل إنتاج جديد للحرب...

ثم لننظر إلى الصورة من الجهة المعاكسة...
حين تحرك من وُصفوا في الساحل السوري بأنهم “فلول” وقيل إنها محاولة انقلاب، ماذا فعلت السلطة الحالية؟..
- هل استقبلهم الجيش والأجهزة الأمنية بالورود؟..
- أم قاتلوهم باعتبارهم تهديداً للدولة والأمن والمجتمع؟..
هنا بالضبط تظهر الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها:
كل دولة، أي دولة، حين تشعر أن كيانها مهدد، تستدعي أدوات القوة، والفرق ليس في استخدام القوة بحد ذاته، بل في كيفية استخدامها، وحدودها، وشرعيتها، ومدى التزامها بالقانون، والأهم: 
- هل تحولت إلى عقيدة قتل وكراهية أم بقيت ضمن مفهوم الضرورة الأمنية؟

ولهذا فإن سورية تحتاج اليوم إلى شيء أخطر بكثير من المحاكمات الانفعالية:
تحتاج إلى عدالة باردة الأعصاب، دقيقة، متحررة من الثأر، تميز بين من صنع القرار، ومن حرض، ومن أسس للقتل، ومن استثمر فيه، وبين من وجد نفسه داخل ماكينة دولة وحرب وانهيار شامل...

فالدول لا تُبنى بالانتقام الجماعي، كما أنها لا تُحمى بالإفلات الكامل من العقاب...

وبين هذين الحدين فقط، يمكن أن تبدأ سورية بالخروج من المقبرة الطويلة التي عاشت فيها.