
أثار تعيين لؤي فلوح في منصب قائم بالأعمال بسفارة سوريا في باريس جدلاً واسعاً داخل الجالية السورية في فرنسا، وأعاد فتح نقاش حول حضور وجوه من عهد النظام السابق في مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام. يأتي هذا التعيين في سياق حساس، حيث لم تعد العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وباريس طبيعية بالكامل، ويُدار التواصل على نحو محدود، يقتصر على الأمور الإدارية والبروتوكولية.
تعمل البعثة السورية حالياً من مقر مؤقت داخل "المركز الثقافي العربي السوري"، بعدما أُغلق المبنى التاريخي للسفارة منذ أكثر من عقد. ورغم الرموز الجديدة التي حاولت البعثة تبنيها، مثل رفع علم الثورة السورية، فإن هوية الشخص المكلف بإدارة الشؤون القنصلية أعادت التركيز على الارتباط العميق بين بعض المسؤولين الحاليين وتجاربهم السابقة مع النظام السابق. فلوح، الذي شغل مناصب دبلوماسية رفيعة، بما في ذلك تمثيل سوريا لدى مؤسسات دولية كبرى، يمتلك سجلاً معروفاً بالدفاع عن سياسات دمشق في المحافل الدولية، ما جعل الكثيرين من السوريين في فرنسا يشككون في ملاءمته لتمثيل مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط النظام.
من جانب السلطات الفرنسية، يُنظر إلى فلوح باعتباره موظفاً مكلفاً بالشؤون الدبلوماسية وليس سفيراً بكامل الصلاحيات، فيما تستمر السفارة الفرنسية في سوريا بإدارة أعمالها من بيروت، مع زيارات دورية لمتابعة وضع المبنى القديم الذي يحتاج لترميم قبل إعادة فتحه. هذا الوضع يعكس عدم استئناف العلاقات الطبيعية بين الدولتين، ويضع البعثة السورية في باريس أمام تحديات إضافية تتعلق بالثقة والمصداقية.
تعيين شخصيات مرتبطة بالحقبة السابقة يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة السورية على الموازنة بين الاستفادة من الخبرة الإدارية لأفراد ذوي تاريخ طويل في العمل الدبلوماسي، وبين تلبية المطالب الشعبية التي دعت إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بعيدا عن رموز النظام السابق. هذا التعيين يوضح بجلاء الصعوبات التي تواجهها سوريا في إعادة بناء صورتها الدولية بعد سنوات من النزاع والفصل مع الدول الغربية، ويكشف عن صراع مستمر بين إرث الماضي ومتطلبات المرحلة الجديدة...
يبقى الجدل حول لؤي فلوح أكثر من مجرد مسألة تعيين دبلوماسي؛ فهو اختبار لقدرة الدولة السورية على التوفيق بين خبرات الماضي وطموحات المستقبل، وبين المصالح الدبلوماسية والشرعية الوطنية. وفي الوقت الذي تسعى فيه سوريا لتطبيع علاقاتها الخارجية، يبقى حضور رموز الحقبة السابقة نقطة حساسة تتطلب حذراً شديداً وتوازنًا دقيقًا بين السياسة والشارع.