
بين المهل والوظيفة:
لماذا لا تُكسر إيران… ولماذا لن تقع المواجهة؟..
من يتأمل سلوك دونالد ترامب تجاه إيران، لا يحتاج إلى كثير عناء ليصل إلى خلاصة تبدو للوهلة الأولى صادمة، لكنها في العمق منطقية ومتسقة مع تاريخ طويل من إدارة الصراع لا حسمه.
إنني أراهن أن المهل التي يمنحها ترامب لإيران ليست إلا احتمالين لا ثالث لهما:
الأول:
أنه يريد انتصارًا سهلاً، نصرًا إعلاميًا سريعًا يُترجم إلى ما يشبه “عقد إذعان”، يُفرض على إيران دون حرب، ويُسوّق داخليًا كإنجاز سياسي يعزز صورته القيادية دون كلفة عسكرية كبرى.
أما الاحتمال الثاني:
وهو الأعمق والأخطر، فيتعلق بما يمكن تسميته بالبنية العميقة للنظام الغربي. فالدولة العميقة في الولايات المتحدة، وكذلك في أوروبا، وتحديدًا في فرنسا وبريطانيا، لا تريد تدمير إيران ولا إعادتها إلى العصور الحجرية. بل على العكس، ترى فيها ضرورة استراتيجية متجددة الفائدة...
هذه القوى نفسها هي التي أذنت بانتهاء حقبة الشاه، وفتحت الباب لما سُمّي زورًا وبهتانًا “ثورة إسلامية”، بينما كانت في حقيقتها إعادة إنتاج لوظيفة الدولة الإيرانية ضمن صيغة جديدة أكثر فاعلية في بيئة ما بعد الحرب الباردة...
فإيران، سواء في عهد الشاه أو في ظل الملالي وولاية الفقيه، لم تخرج عن كونها دولة وظيفية، تغيرت الشعارات، تبدلت اللغة، لكن الجوهر بقي ثابتًا: توظيف الإمكانات العربية واستنزافها في خدمة توازنات تخدم الغرب الإمبريالي، وتصب في نهاية المطاف ضمن إطار التحالف الصهيو–أمريكي...
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم العلاقة بين إيران وإسرائيل إلا بوصفها علاقة توازن وظيفي، لا صراع وجودي، فكلاهما، في مفتي ميزان السياسة، يلتقيان عند نقطة واحدة: العداء للعرب والعروبة، وإن اختلفت الأدوات والخطابات...
لقد حملت إيران، بشكل منهجي ومدروس، عبء كراهية العرب لإسرائيل، وذهبت أبعد من ذلك، إذ مارست سياسات جعلت من إسرائيل، تبدو أقل قسوة في نظر بعض الشعوب العربية، وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الدور الإيراني:
إعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي بطريقة تُعيد ترتيب “سُلّم الأعداء”...
بل إن إيران لعبت دورًا مركزيًا في دفع بعض الدول الخليجية نحو التطبيع مع إسرائيل، تحت ضغط التهديد الإيراني المباشر، وهو ما تجسد في ما سُمّي بـ اتفاقيات أبراهام. فحين يتحول الخطر الأقرب إلى إيران، يصبح التحالف مع العدو التقليدي خيارًا “براغماتيًا” في نظر البعض...
من هنا، يمكن توصيف إيران بأنها “الدجاجة التي تبيض ذهبًا” في الاستراتيجية الغربية:
لا تُذبح، ولا يُسمح بانهيارها، بل تُدار أزماتها بعناية، وتُضبط إيقاعات صعودها وهبوطها بما يخدم منظومة أوسع من المصالح...
وانطلاقًا من كل ما سبق، فإن الحديث عن تصعيد شامل، أو مواجهة كبرى، يبدو أقرب إلى التهويل منه إلى الواقع، ما نراه هو إدارة تفاوضية للأزمة، تستخدم فيها لغة التهديد كأداة ضغط، لا كمقدمة حرب...
لذلك، أراهن—بثقة—أنه لا تصعيد كما قال ترامب، وأن الأمور ستتجه نحو حل وسط، تُحفظ فيه التوازنات، ويُعاد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة، وفي هذا الإطار، لن يكون مستغربًا أن يتم القبول بمقترحات تهدئة، كالمقترح الباكستاني الذي يقوم على وقف إطلاق نار لمدة 45 يومًا، كمرحلة انتقالية نحو تسوية أوسع...
إنها ليست نهاية صراع، بل إعادة تدوير له… ضمن قواعد لعبة لم تتغير منذ عقود.