
بين المقارنات السطحية وذاكرة الحروب:
كثيرًا ما نسمع اليوم مقارنات تُطرح بين الحرب الأمريكية على إيران وبين غزو العراق عام 2003، ويتحوّل النقاش أحيانًا إلى سرديات حماسية تُشيد بصمود طرف وتُسقط سريعًا التجربة الأخرى، وكأن التاريخ يُختزل في نتيجة نهائية دون النظر إلى شروطها وظروفها. وغالبًا ما يأتي هذا النوع من المقارنات من أجيال كانت لا تزال في مقاعد الدراسة الابتدائية حين وقعت حرب العراق، فتتشكل الذاكرة لديهم عبر الروايات لا عبر التفاصيل الثقيلة التي صنعت تلك اللحظة التاريخية.
وقبل الدخول في أي جدل، من الإنصاف القول إن طبيعة النظام الإيراني تختلف جذريًا عن نظام العراق في عهد صدام حسين. فالأول، رغم كل الاعتراضات الداخلية عليه، يقوم على بنية مؤسساتية وعقائدية تمنحه تماسكًا داخليًا وشرعية في نظر شريحة واسعة من أنصاره، حتى وإن كانت معارضته قوية ومستمرة. أما نظام صدام فقد كان، في جوهره، قائمًا على شخص واحد اختزل الدولة والحزب والقرار في قبضته، بحيث ارتبط مصير النظام بمصير الفرد نفسه، لا بمنظومة سياسية متعددة المراكز.
في العراق آنذاك، لم تكن الصورة الداخلية بسيطة كما تُروى اليوم بأثر رجعي. فجزء غير قليل من المجتمع العراقي، تحت وطأة سنوات طويلة من الحروب والحصار والقمع، كان يرى في أي تغيير—حتى لو جاء عبر القوة الأمريكية—نافذة محتملة نحو حياة أفضل أو ديمقراطية طال انتظارها. ورغم التشاؤم الذي كان يراه البعض، إلا أن موجة الأمل لدى شريحة من الناس لا يمكن إنكارها، حتى وإن اتضح لاحقًا أن تجربة “تصدير المعارضة” مع الاحتلال كانت واحدة من أكثر الملفات فشلًا وتعقيدًا.
لكن هذا لا يعني أن المقارنة يمكن أن تُبنى على هذا الجانب وحده. فهناك حقائق موضوعية لا يمكن تجاهلها. العراق عام 2003 لم يكن بحجم إيران لا جغرافيًا ولا ديموغرافيًا؛ فإيران أوسع بأضعاف، وسكانها يزيدون بشكل ملحوظ، بينما كان شمال العراق خارج السيطرة الفعلية لنظام صدام منذ 1991، ما يعني أن الدولة العراقية كانت عمليًا أصغر وأضعف مما تبدو عليه على الورق.
إلى جانب ذلك، كان العراق يعيش في السنة الثالثة عشرة من حصار دولي خانق فرضته الأمم المتحدة، وهو نوع من العقوبات يختلف جذريًا عن العقوبات الثنائية أو السياسية. لقد أضعف هذا الحصار البنية الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية للدولة بشكل عميق، بحيث أصبح أي احتكاك عسكري واسع مع قوة بحجم الولايات المتحدة مختلّ التوازن مسبقًا، حتى لو لم يكن الحصار موجودًا أصلًا.
ثم إن طبيعة الحرب نفسها كانت مختلفة؛ فالغزو البري بدأ عمليًا منذ الأيام الأولى، ما جعل فكرة “الصمود تحت القصف” وحده غير قابلة للفصل عن الواقع الميداني. فالقصف الجوي وحده—كما حدث في عاصفة الصحراء عام 1991 التي استمرت خمسة أسابيع دون دخول بري واسع—لا يمكن قياسه على حرب اجتياح شامل تبدأ فيها القوات البرية بالتقدم منذ اللحظة الأولى.
لكن رغم كل هذه التفاصيل، تبقى المقارنات التي تُستخدم اليوم أحيانًا في سياق جلد الذات أو في سياق التباهي السياسي مقارنات ناقصة. فإيران ليست العراق عام 2003، لا في البنية الداخلية، ولا في العمق الجغرافي، ولا في طبيعة النظام الإقليمي المحيط بها، ولا في شبكة التحالفات والأوراق التي تمتلكها. وفي المقابل، فإن تجربة العراق نفسها لا يمكن اختزالها بعبارة “سقوط سريع” دون فهم التراكمات التي قادت إليه.
في النهاية، ليست المسألة سباقًا في من “صمد أكثر” أو “سقط أسرع”، بل فهمٌ لشروط كل لحظة تاريخية على حدة. فالتاريخ لا يُقرأ بمنطق الانتصار والهزيمة فقط، بل بمنطق السياقات التي تصنع كليهما. ومن هنا، تبدو المقارنات الانفعالية أقرب إلى شعارات منها إلى تحليل.
ومبروك—لمن يرى في كل حدث فرصةً لتأكيد روايته الخاصة عن العالم.