
بين المؤامرة والفوضى:
كيف أقرأ ما جرى في سورية اليوم، على ضوء الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران في الجهة المقابلة..
أنا لا أبدأ حديثي من موقع الحياد البارد، ولا من موقع المتردد الذي يحاول أن يرضي الجميع، أنا أتكلم بوضوح، وبما أراه وأعتقده منذ سنوات طويلة، دون مواربة...
لذا اقول على رؤوس الأشهاد وبالفيه الملآن وبصريح اللسان :
أنا لم أكن يوماً مؤيداً للسياسات الأمريكية، وقبلها السياسات الصهيونية، وأنا على يقين أنهما ألدّ عدوين لبلدي سورية، وكل من يرحب بهما من السوريين عدوي ليوم الدين، هذه ليست عبارة عاطفية أو شعاراً سياسياً، بل خلاصة تجربة طويلة في قراءة التاريخ والسياسة، وفهم ما جرى ويجري في منطقتنا...
لذا:
فأنا أنظر إلى العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بوصفها منظومة واحدة لا تنفصل فحسب، بل كمنظومة تعمل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالحها الاستراتيجية، لا وفق مصالح شعوبه، ومن يظن أن هذه السياسات يمكن أن تكون يوماً في صالح سورية أو أي دولة عربية أخرى، فهو إما واهم أو متجاهل لحقائق التاريخ القريب والبعيد...
وفي هذا السياق، أنا أعلم أنني أوافق على ما وصفه النظام السابق بأنه مؤامرة عالمية، وقد أغنيت هذه الفكرة مراراً، بدءاً من الفضائية السورية وصولاً إلى الجزيرة فروسيا اليوم وفرانس 24 وبعض الفضائيات السورية التي يمكن وصفها – على طريقة السوريين بـ(هات إيدك والحقني)، اذ لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد ترديد لرواية رسمية كوني وانا هنا لا الآخر ولا اعترف بل أقول كصاحب حق كنت من صنّاع هذه الرواية، لقد عملت عليها من منطلق أن تكون للسوريين كمحاولة لفهم الصورة الكبرى التي غالباً ما كانت تختبئ خلف ضجيج الأحداث اليومية...
وعليه:
أنا لا أتعامل مع كلمة (مؤامرة) بوصفها شماعة سهلة لتعليق الفشل، كما يفعل البعض، بل أتعامل معها كاحتمال سياسي حقيقي حين تتقاطع مصالح القوى الكبرى على إعادة تشكيل منطقة كاملة. التاريخ مليء بأمثلة مشابهة، من اتفاقية سايكس–بيكو إلى غزو العراق، وكلها تؤكد أن خرائط المنطقة لم تكن يوماً خارج غرف التخطيط الدولي...
حتى أول أمس، عندما تحدثت مع قناة التغيير العراقية، قلت ما قلته مئات المرات:
إن ما سُمّي بالربيع العربي لم يكن، في نظري، سوى تظهير عملي لنظرية الشرق الأوسط الجديد،هذه النظرية لم تكن سراً وقد قالت بها (كوندوليزا رايس)، من على مأدبة السنيورة إبان عدوان ٢٠٠٦ على لبنان، لما كان حزب الله يستغل غفوتنا ويتلاعب بعواطفنا،. وهذه النظرية كانت قد قُدمت علناً في مراكز الأبحاث الغربية وفي تصريحات السياسيين، لكنها احتاجت إلى آليات ميدانية لتتحول إلى واقع...
وهنا أؤكد:
أن ما حدث في عدد من البلدان العربية لم يكن مجرد ثورات شعبية خالصة كما قُدِّم إعلامياً، ولا كان مؤامرة ميكانيكية بالكامل كما قُدِّم في خطاب مضاد، بل كان خليطاً معقداً من الغضب الشعبي الحقيقي، والتوظيف الخارجي الذكي، والانهيارات الداخلية التي استُغلت بعناية، وفي الحالة السورية تحديداً، دخلت البلاد في مسار من الأسلمة والعسكرة والارتباطات الخارجية، بعضها عن قصد وارتباط مباشر، وبعضها الآخر نتيجة سذاجة سياسية أو بسبب (الأرزاق) التي فُتحت أبوابها فجأة، وهذه اي الأسلمة والعسكرية كانت الصيغة التنفيذية لنظرية الشرق الأوسط الجديد...
والنتيجة العملية كانت واضحة، فالفوضى الخلاقة، تلك العبارة التي خرجت من أدبيات السياسة الأمريكية لم تكن مجرد تعبير نظري، بل تحولت إلى واقع ملموس في عدد من الدول العربية، الفوضى التي تُفكك المجتمعات والدول، لتُعاد صياغتها لاحقاً ضمن ترتيبات جديدة تخدم مشروع الشرق الأوسط الجديد...
وفي خضم هذا المشهد المعقد، لم تكن إيران بعيدة عمّا حدث في سورية، على العكس، أنا أضعها – بوضوح – على يمين الدولة العبرية من حيث العداء لسورية والسوريين، لأني كما قلت لآخر مرة يوم أول أمس وسأبقى اقول ليسقط نظام الملالي أن إيران دولة وظيفية وضعت لخدمة الإمبريالية العالمية، وهي كما الدجاجة التي كانت تبيض ذهبا، لكل من الكيان والامريكان...
قد يبدو هذا الكلام صادماً للبعض، لكنه بالنسبة لي قراءة للوقائع لا للأوهام. فالدول لا تُقاس بشعاراتها، بل بما تفعله على الأرض...
فإيران دخلت إلى الساحة السورية بوصفها لاعباً يسعى إلى تثبيت نفوذ استراتيجي طويل الأمد، تماماً كما تفعل قوى أخرى في المنطقة،الخطاب الأيديولوجي الذي يرفع شعارات المقاومة لا يغير من حقيقة أن المصالح الوطنية للدول هي التي تحرك سياساتها في النهاية، لا الشعارات...
ولكل ماقلته اعلاه أقول الآن بوضوح:
- ليس لدي مشكلة إن يسقط الامريكان نظام الملالي ...
- وليس لدي إن يخرج الإسرائيلي الحرس الثوري من لبنان ...
- وتدعم قرار الحكومة اللبنانية ومقام رئاسة الجمهورية اللبنانية بسحب حزب الله...
واضيف:
(إن لم يسقط نظام الملالي ويحكم إيران نظام آخر – وربما يكون أقذر وأحقر – فأنا أرى أن إيران هزمت الكيان والولايات المتحدة)...
هذه ليست مفارقة لغوية، بل قراءة لميزان القوة الإقليمي،فبقاء النظام الإيراني، رغم كل الضغوط والحروب غير المباشرة والعقوبات، يعني أنه استطاع تثبيت نفسه لاعباً أساسياً في معادلة المنطقة، بل لاعباً يصعب تجاوزه...
لهذا، وأنا أكتب اليوم، أحاول أن أنظر إلى ما جرى في سورية خلال السنوات الماضية بعيداً عن الروايات الجاهزة، وانا تعيد القراءة لما حدث ونعيش تداعياته الكارثية المتجسدة في ثورة اسلامية سورية، لا أتبنى الرواية الغربية بالكامل، ولا أكتفي بالرواية الرسمية النظام السابق التي سادت في بدايات الأزمة، إلا أني على يقين أن سورية كانت ساحة لصراع دولي وإقليمي هائل، وأن السوريين – للأسف – وجدوا أنفسهم في قلب هذه العاصفة...
اصدقائي الاعزاء:
خلاصة رأيي اليوم واضحة، ما حدث في سورية لم يكن حدثاً بسيطاً يمكن تفسيره بشعار واحد أو رواية واحدة، بل كان مزيجاً من أخطاء داخلية جسيمة، وتدخلات خارجية عنيفة، ومشاريع إقليمية ودولية تتصارع فوق أرض بلد منهك، وفي هذه الفوضى، خسر السوريون كثيراً، بينما ظل اللاعبون الكبار يتبادلون المكاسب والخسائر وفق حساباتهم الخاصة...
ولهذا:
فإن السؤال الحقيقي الذي أطرحه الآن ليس فقط:
- من ربح ومن خسر؟..
* بل سؤال أعمق بكثير وهو:
- كيف يمكن لسورية أن تخرج من هذه اللعبة كلها، وأن تستعيد قرارها الوطني بعيداً عن واشنطن وتل أبيب وطهران، وكل العواصم التي ترى في بلادنا مجرد ساحة شطرنج؟.
هذا السؤال، في رأيي، هو المعركة الحقيقية التي لم تبدأ بعد.