
بين القفص والذاكرة… شهادة رجلٍ قرأ العدالة بعينين مفتوحتين على التاريخ:
في مدينة تتقاطع فيها ظلال السياسة مع قسوة الذاكرة، وفي زمنٍ لم يعد يعرف الحدود الفاصلة بين العدالة والانفعال الشعبي، جلس رجلٌ يحمل في داخله طبقات من العمر والخبرة والندوب الفكرية، يتأمل شاشة تنقل مشهداً لمحاكمة علنية، ليست كأي محاكمة، بل محاكمة مشحونة بتاريخٍ كاملٍ من الدم والجدل والانقسام.
لم يكن المشهد بالنسبة له مجرد حدثٍ إعلامي، بل كان استدعاءً عميقاً لذاكرةٍ طويلة، تتقاطع فيها السلطة بالقانون، والإنسان بالمنظومة، والضحية بالمتهم، والرأي العام بالقضاء.
جلس وكتب، لا بوصفه متفرجاً، بل بوصفه شاهداً يعرف أن الكلمة قد تكون أحياناً أخطر من الحكم نفسه، وأن سوء الفهم في زمن الغضب قد يتحول إلى حكمٍ اجتماعيٍّ موازٍ للقضاء.
ثم قال، أو بالأحرى كتب، نصّه كاملاً، كما خرج من ذاكرته دون فلترة أو تجميل، وكأن الزمن كله يمر من خلاله:
(النص كما ورد كاملاً دون أي اقتطاع):
من مفكرتي : كتبت بالأمس بإسهاب عن انطباعي عن جلسة المحاكمة العلنية للمتهم والعميد السابق عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا... البعض قرأ فيما قلته تعاطفا أو دفاعا عن المتهم، وأطلق للسانه القذر ناضحا بما تحويه آنيته من حقد اسود وخطاب كراهية مع سيل من الاتهامات الموجهة لي مع تشخيص مرعب للقضية ...
في الحقيقة اني تعاملت مع مشهد لي اوصفه أنه (حالٌّ)، نعم تعاملت مع مارأيته وما سمعته لجهة مادار من حوار بين قاضي الجنايات والمتهم، وقطعته مع أي سابقة كمعلومة شكلت ذهنية وقناعات ... نعم؛ لقد تابعت الشريط بدون احكام مسبقة وبدون اي انطباع أولي، لقد فصلت ما رأيته عن كل ما قيل حول الرجل الموجود في قفص الاتهام والبعض يصر أن يناله حكم الاعدام ...
إلا أني وكرجل قانون فأنا استند إلى القاعدة الفقهية التي تقول : ( المتهم بريء حتى يدان بحكم قضائي حاز الدرجة القطعية، أو ما يوصف قانونا بـ "القضية المقضية" أو بـ " الحكم البات ) وهذا شأن القضاء الذي تريد السلطة الحالية أن تقدمه لنا على أنه "جهاز مستقل "، وهي نقطة تحسب فعلا لمصلحة الحكومة الانتقالية فمبدأ فصل السلطات يشكل حجر أساس في بناء اي دولة تريد لنفسها الاستمرار لمشروعها للبلد بالنجاح والاستقرار ... عموما كل ما قلته اعلاه اريد ان انتقل من خلاله لاقول لكم بأمانة ما يدور في داخلي وهو :
- يوجد قاعدة فقهية تسمى بـ ( سلوك الرجل المعتاد ) وهي تعطي للقاضي الجزائي لما يصل لمكان لايجد في نصوص القانون نصا يحاكي ما هو بصدد الفعل المنسوب لمتهم ما، فله عندها ان يلجأ ليسأل نفسه السؤال التالي:
"لو كنت مكانه هل فعلت مثله" ؟..
وعلى ضوء الإجابة يكون قراره فإما أن يلجأ للظروف المخففة التقديرية أو يلجأ لنقيضها وهي الظروف المشددة التقديرية بمعنى أنه امام تحكيم ضميره وما سيستقر عليه وجدان المحكمة بدءا من العفو أو الحكم مع وقف التنفيذ حتى المؤبد أو الإعدام وهذا كل وارد في محاكمة ( عاطف نجيب ) والرهان برأيي هو هل سيسود القانون بكل نزاهة وامانة ام سيتم تسييسه، رغم اني اميل للأولى والا لما عمد القضاء ومن خلفه وزارة العدل وكل الدولة السورية لأن تبث القضية على الهواء دون أي إجراءات تقنية منها المونتاج والتلاعب بما يقال...
وعليه؛ سأعود بالذاكرة إلى ٤٥ سنة مضت من عمري كنت وقتها يافعا وقد عينت امين رابطة في اتحاد شبيبة الثورة وكان على رأس الاتحاد شخصية بعثية متفردة وفريدة لجهة عمق الانتماء وصدق تحمل المسؤولية ... في العام ١٩٨١ حدثت ما رآه الكثيرون أنه جريمة تتعلق بحرية المعتقد وضمنا حرية ارتداء الزي والملابس حيث دفع رفعت الأسد بالرفاق الشبيبين الذين كانوا في وقتها باتباع دورة " قفز مظلي " في ألوية سرايا الدفاع... نعم في وقتها أمر هؤلاء اليافعون بأن ينزلوا الى دمشق ويقوموا بما هو ( مجرَّم )، مجتمعيا وساقط أخلاقيا في ثقافة ملايين السوريين، وهو خلع غطاء رأس السيدات على العلم وفي قارعة الطرقات، في هذا الوقت كانت فوجيء وكلنا اندهش، ورفض اقله ضمنيا ما حدث ... في وقتها: كان لما حدث في العاصمة ارتدادات وتداعيات في مجال عملي وكان لابد أن نتصرف كجهة معنية بالجيل، فقد كان مدُّنا كمنظمة وكقيادات مفصلية كان كبير لوجود عضو قيادة قطرية على رأس هرمنا، فلم نكن نضع في حساباتنا رجل امن ولا قائد عسكري وأذكر هنا : اني وفي اجتماع عقدناه في ثانوية ( للبنات ) وهي من كانت مصدر الفعل المقلق، بوجود بعض من أعضاء القيادة السياسية للمنطقة وكذا مدير المنطقة والمفتي ووجهاء المدينة وعقلائها واكابرها وكانت الغاية وأد ما حدث وهو التظاهر ورفع هتافات منددة بالنظام وأشياء من هذه ... في وقتها تحدث رجل بكلام واضح وصريح منذرا بأن ماتم اليوم، لانريد أن يحدث يوم غد كان في كلامه مايشي بالتحذير والنذير، فقلت وانا ابن ( الثالثة والعشرين ) من عمري بكلام قاطع ( عندما نرفع يدنا نحن كقيادة للجيل يمكن أن يتدخل الآخرون )، وقتها لم أكن أعرف أن المتحدث كان عميد ورئيس فرع المخابرات العسكرية في المنطقة الجنوبية وماكان يسمى فرع ( سعسع ) تبعا للبلدة التي هو فيها واحيانا كان يوصف بفرع القنيطرة ... نعم رد ( أبا مازن ) مبتسما كعادته كما الليث:
( والله اذا اراد الرفيق امين الرابطة أن لانتدخل فلن نتدخل )...
رتب علي هذا ضرورة أن أكون في قدر ما قلته أمام هذا الحضور الكريم فقمت بعد هذا الاجتماع بعدة خطوات وكلها لفظيه، وكنت اوظفها بحكنة سياسية اذكرها في التالي تباعا وغايتي مقاربة حادثة درعا التي أسقطت نظاما بعد ١٥ عام من القتل والقتل المضاد رغم يقيني أننا لم نكن أمام سقوط وصعود بالمفهوم ( العسكري ) ولا حتى ( السياسي) فاستثنائية ماتم يحاكي استثنائية الحالة السورية وقتها، إذ أن ماحدث لم كنتيجة لتفاوت ( ميزان القوى ) نعم أنا على يقين بهذا...
اعود الى حكايتي من مفكرتي: ماقمت به اني ومع عودتي إلى مقر عملي وكان هناك عدد كبير من الرفيقات والرفاق قلت بما يعني اني اسرب معلومات:
- غدا سنستخدم القوة بدءا من الكلمة ثم الكف ثم الرصاصة، وشرطنا لعدم قيامنا بهذا هو أن لا تخرج ثانوية ( امين امين ) خارج أسوارها غدا ...
كان عنوان كلامي ضمنيا هو ظاهرة صوتية، وتلويح بالعصى دون الضرب بها...
وكانت غايتي أن تنقل رسالتي الى الأهالي الذين كانوا يصفوني وقتها بـ ( لاتعاند من إذا قال فعل ) ...
وأمام الموجودين قمت باستدعاء فصائل الطوارئ وكان هذا شيء ضمن خطة الاتحاد الأمنية وكانت هذه الفصائل قد شكلت من رفاق ورفيقات مظليون ومظليات ومتبعوا دورات الصاعقة، وقد كنت اول قائد لدورة للرفيقات في ريف دمشق وقتها...
نعم: ماقلته وكل هذا في إطار يهدف الى أن تسري شائعة فحواها أننا جادون بما نقول ...
بالموعد الذي حددت مساءً اكتمل الحضور واعلمت الكل بشكل اسمي بالاجراءات التي ستتم بدءا من السادسة صباح اليوم التالي وكانت كما يلي :
- اغلاق الشوارع المؤدية إلى الثانوية بدوريات من الرفاق تمنع أي من غير الطالبات من المرور باتجاه الثانوية لأن بعض المراهقين واقول ( مراهقون ) وانا اقصد ما اقول طاب لهم ماحدث لأنهم سيكونوا قريبون من الصبايا ومن بينهن صديقات أو ربما حبيبات ...
- كذا كلفت جماعات قوام كل واحدة منها رفيق ورفيقة والكل بلباس المظلات مرافقة أي مدرسة أو مدرس بدءا من أماكن قطع الطرقات إلى باب الثانوية وكله كان مظهرا من مظاهر إثبات الوجود وكتأكيد على نيتنا غير الحقيقة ...
- طلبت من رئيس البلدية أن يرسل لي الاطفائية لاستخدامها عند الضرورة نظريا، وقد فعل وشوهدت الاطفائية من قبل كل الطالبات ...
- مع بدء الهتافات، كما حدث في اليوم السابق، من قبل بعض المشاغبات وكانت مديرة الثانوية على يميني قلت :
- سنرش كل من تحاول الخروج من باب الثانوية بالماء من خراطيم الاطفائية ولعل هذا يكون ناجعا قبل أن نستخدم العنف أكثر ...
مضت الأمور على خير ونجحت خطتنا التي لم تعدو أن تكون :
-
ظاهرة كلامية ...
-
وتلويح بالعصى دون الضرب بها...
-
وكانت الغاية اولا واخيرا أن نواجه الشغب بدون اي مواجهات حقيقية ... باختصار: ما أريد أن أقوله من كل ما عرضته اعلاه هو:
-
ليس كل من يمكن أن يهدد ويرعد ويزبد وينذر ويحذر، يمكن أن يكون قاصدا تنفيذ ماقاله، لأني وعلى طريقة :
" ظني بالناس كما ظني بنفسي "...
أن لا أحد يريد أن يتم القتل إلا إذا كان مجرما فعلا، أو ردا على إطلاق نار بإطلاق نار.
ملاحظة: بعد ٤٥ سنة من الواقعة اعلاه، ما كان مِن مَن ظنوا أنفسهم منتصرين، إلا أن فتحوا هذا الملف قيل عن قال وقد هددوا بعد أن هاجوا وماجوا وتطاول بحيث وصل لسان بعضهم إلى نعل حذائي .
بعد أن سكت الصوت داخل ذاكرته، لم يكن السرد قد انتهى، بل بدأ التحول الحقيقي.
فما بين القانون والذاكرة، وبين القاضي والتاريخ، وبين المتهم وصورة المجتمع عنه، يولد دائماً سؤال أكبر من الحكم نفسه:
هل نحن نحاكم الفعل… أم نحاكم التاريخ كله وهو يمر من داخل قفص واحد؟
وهكذا، بقي الرجل جالساً أمام شاشته، كمن لا يكتب مرافعة، بل يكتب شهادة عمرٍ كامل، لم يُرِد لها أن تكون دفاعاً ولا اتهاماً، بل محاولة لفهم الإنسان حين يقف على حافة النار، ويُطلب منه أن يقرر إن كان سيشعلها… أم يطفئها.