
بين الشعارات والوقائع: سورية في زمن التناقضات الصارخة.
يوماً بعد يوم، تتكشف ملامح الواقع الذي تعيشه سوريا تحت سلطة العهد الجديد، لا بوصفه مشروع دولة تتجه نحو الاستقرار، بل كصورة متشابكة من التناقضات التي يصعب تجاهلها أو تبريرها. فبين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، تتسع الفجوة إلى حد يثير القلق على مصير ما تبقى من بنية الدولة والمجتمع.
في الشارع، ترتفع الأصوات مطالبة بإعلان الجهاد لتحرير القدس، في مشهد يبدو مشحوناً بالعاطفة والرمزية. لكن، وعلى نحو موازٍ، تجري تواصلات أمنية مع الجانب الإسرائيلي، ما يضع هذه الدعوات في سياق أقرب إلى الاستهلاك السياسي منها إلى مشروع حقيقي للمواجهة. هنا لا يعود السؤال عن صدقية الشعارات، بل عن الغاية من إطلاقها في ظل سياسات تناقضها عملياً.
وفي مشهد آخر، تتعرض سفارة دولة عربية شقيقة لهجوم، في وقت تسعى فيه السلطة ذاتها إلى فتح أبواب العلاقات مع دول الخليج، أملاً في جذب الاستثمارات والأموال. هذا السلوك المزدوج لا يعكس فقط ارتباكاً في القرار، بل يوحي بغياب رؤية واضحة تحدد من هو الشريك ومن هو الخصم، ومن أين تُستمد شرعية العلاقات الخارجية.
أما على مستوى التوجهات الكبرى، فتبدو التصريحات أقرب إلى أحلام الطموح الاقتصادي، من قبيل الحديث عن نماذج تنموية متقدمة، بينما تشير الخطوات الواقعية إلى مسار مختلف تماماً، أقرب إلى بيئات مفككة تسيطر عليها قوى متنازعة، حيث تتراجع سلطة المركز لصالح نفوذ متشعب لا يخضع لمنظومة واحدة.
وفي الداخل، تتجلى الأزمة بشكل أكثر قسوة. فالمواطن، الذي يفترض أن يكون محور أي سياسة حكومية، يكاد يغيب عن أولويات القرار. بطالة متفشية، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية، في ظل منظومة فساد تبدو راسخة لا تمس. الأخطر من ذلك، أن مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة باتت في كثير من الأحيان أقوى من المواقع الرسمية نفسها، ما يحول الإدارة إلى ساحة صراع بدل أن تكون أداة حكم.
كل هذه المؤشرات تقود إلى نتيجة مقلقة: غياب مركزية القرار، وتعدد مراكز القوى، بما يفتح الباب أمام صراعات داخلية قد تتفاقم في أي لحظة. ومع وجود أطراف خارجية تملك مصلحة في إضعاف سوريا، فإن خطر الانزلاق نحو مزيد من التفكك يصبح أكثر واقعية من أي وقت مضى.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع الشعارات أو استدعاء العناوين الكبرى، بل في القدرة على بناء سياسة متسقة، تتطابق فيها الأقوال مع الأفعال، وتُعاد فيها الأولوية للمواطن والدولة معاً. دون ذلك، ستبقى سوريا تدور في حلقة من التناقضات، حيث يعلو الصوت، لكن تغيب البوصلة.